للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الختني إلى الوجه الثالث، وهو وقُوع الثلاث إذا نجّز واحدة، وحكاه في "التهذيب" عن أبي بكر الإِسماعيلي.

وأما الوجه الثاني، وهو وقوع المنجز في قول صاحب "التلخيص"، والشيخ أبي زَيْدٍ، ومذهب أبي حنيفة واختاره ابن الصباغ، وصاحب "التتمة" والشريف ناصر العمري -رحمهم الله- وإيانا، وحكاه القاضي أبو الطيِّب عن ابن سُرَيْج في زيادات الطلاق، ولصاحب الكتاب قَدَّس الله رُوحَهَ في المسألة تصنيفان مطوَّلٌ في صحيح الدَّوْرِ، وسماه "غاية الغَورْ في دَرايَةِ الدَّوْر ومختصرٌ في إبطاله وسماه "الغَوْر في الدَّوْر" رجع فيه عن التصحيح، واعتذر عما سَبَق منْه، ويشبه أن تكون الفتْوَى به أولَى، وذكر القاضي الرّويانيُّ بعد اختيار التصحيح؛ أنَّه لا وجه لتعليم العوامِّ المسألة، لفساد الزمان (١) ومما احتجوا به للبطلان وجْهَان مشبهان (٢) من أصْل واحد:

أحدهما: قال صاحب الكتاب: لفظ الدَّوْر يشتمل على المُحَال، فوجب إلغاؤه، ووجْه اشتماله على المحال قولُه "إن طلَّقتك، فأنتِ طالقٌ قبله ثلاثاً" تعليقُ " ثلاث" موصوف بقبلية رابعٍ، وقوله: لغير المدخول بها، إن طلقتك، فأنتِ طالقٌ قبله" تعليقُ طلاقٍ موصوفٍ بقبلّيةِ طلاقٍ آخَرَ، ووقوعُ ثلاثٍ موصوفةٍ بقبلية رابع محالٌ، وكذا وقوعُ الطلاقِ موصوفٌ بالتقدم على طلاق آخر في حقّ غيْر المدخول بها، وإذا كان كذلك وجَب أن يبطل تعليقه، كما يبطل، تنجيزه، فإنه لو قال لغَيْر المدْخُول بها: أنتِ طالقٌ طلقةٌ قبل طلقة، لا يعتبر كلامُه، ولا تقع طلقتان كما ذكروا، والكلام في أنَّه يلْغُو بالكلية، أو يلغو القَدْر الذي يجيْء، منه الاستحالة، وهو قوله قبل طلقة كذلك، هاهنا لا ينْبَغِي أن يصحَّح التعليق، ويرد الكلام إلى أنَّه يلغو مطلقاً، فيقع المنجَّز أو يحذف قولة: "قبله"، حتَّى يقع المنجز وتتمة الثلاث من المعلَّق.

والثاني: قال الشيخ الإِمام أبو الفتح العِجْلِيُّ؛ تصحيح الدَّوْر يلزم منه المُحَال فلا يصار إليه ووجْهه أن يلزم منْه تملك أربع طلقات؛ لأن قوله: "إن طلقتك" إما أن يريد به التلفظ بالطَّلاق أو الطلاق المعتبر؛ إن أراد الأول لم تكُن ذلك صورة الدَّوْر، فإنه لو قال: مهْما تلَفَّظْت بلفظ الطَّلاق، فأنتِ طالقٌ قبله ثلاثاً، ثم تلفظ، يقع الثلاث لا محالة، فتعين (٣) أن يكون المرادُ الطَّلاقَ المعتبر، وإنما معتبر إذا كان الشَّخْص مالكاً له والثلاث المعلَّقة غير تلك الواحدة، فإن الشَّرْط غير الجزاء، ولا بدّ وأن يكون مملوكاً، ليصحَّ التعليق؛ ألا ترى أنَّه لا يصحُّ تعليق طلاق امرأةٍ سينكحها؛ لأنه لا يَمْلِك طلاقَها،


(١) قال النووي: قد جزم الرافعي في "المجرد" بترجيح وقوع المنجزة فقط، كما أشار هنا إلى اختياره.
(٢) في ز: مستندات.
(٣) في ز: فيتعين.

<<  <  ج: ص:  >  >>