الصَّحيح؛ لأن كفارة الصَّيْدِ تتجزأ، ألا ترى أنها تختلف بصغر المَقْتُولِ وكبره، ويجب إِذَا جرح الصيد بقدر النقصان، وكفارة الآدمي لا تختلف بِصِغَرِ المقتول وكبره، ولا تَجِب في الأَطْرَافِ. ولو اشترك محل ومحرم في قتل صيد، فعلى المحرم نصف الجزاء، ولا شيء على المُحِل. ولو قتل المحرم القارنُ صيداً لم يلزمه إلا جزاء واحد، وكذا لو باشر غيره من مَحْظُورَاتِ الإحْرَام، وبه قال مالك وكذا أحمد في أظهر الروايتين خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: يلزمه جزاآن.
لنا ما سبق في الصُّورة الأُولَى. ولو قتل المحرم صيداً حرمياً لم يلزمه إلا جَزَاء واحد لاتحاد المتلف، وهذا كما أن الدية لا تتغلظ مراراً باجتماع أسباب التغليظ.
قال الرافعي: صيد حَرَم مَكَّةَ حرامٌ على المُحِل والمُحْرِم روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:"إِنَّ اللهَ تَعَالَى حَرَّمَ مَكَّةَ، لاَ يُخْتَلَى خلاَهَا وَلاَ يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلاَ يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، قَالَ الْعَبَّاسُ: إِلاَّ الإِذْخَرُ يَا رَسُولَ اللهِ فَإِنَّهُ لبِيُوتِنَا وَقُبُورِنَا، فَقَالَ: إِلاَّ الإذْخَرُ"(١).
والقول في الصَّيْدِ المحرم، وفيما يجب به الجزاء، وفي أن الجزاء مَاذَا يُقَاسُ بِمَا سَبَقَ فِي الإحْرَام إلا أن المحرم لَيْسَ له ذبح الصيد الذي يملكه، وفي وجوب إرْسَاله إذا أحرم الخِلاَف الذي مَرّ، ولو أدخل المحرم صيداً مملوكاً له كان له أن يمسكه ويذبحه كيف شاء كالنعم؛ لأنه صيد الحَلِّ دون الحرم.
وقال أبو حنية وأحمد -رحمهما الله- ليس له ذَبْحُه، ولو ذبح. فعليه الجَزَاءُ.
واعلم قوله في الكتاب:(وجزاؤه كجزاء الإحرام) بالحاء؛ لأن عند أبي حنيفة لا مدخل للصيام في جَزَاءِ صَيْدِ الحَرَم. لنا أنه صيد مضمونٌ بالجَزَاءِ، فكان جزاؤه كجزاء الصَّيْدِ في حق المُحْرِم. ثم في الفصل مسألتان:
إحداهما: لو رَمىَ مِنَ الحِلِّ إلى صَيْدِ في الحَرَمِ فقتله فعليه الضَّمَان؛ لأنه أصاب الصيد في موضع آمن، ولو رمى من الحَرَمِ إلى صَيْدٍ في الحل فقتله فعليه الضمان
(١) أخرجه البخاري (١٣٤٩، ١٥٨٧، ١٨٣٣، ١٨٣٤، ٢٠٩٠، ٢٤٣٣، ٢٧٨٣، ٢٨٢٥، ٣٠٧٧، ٣١٨٩، ٤٣١٣) ومسلم (١٣٥٣) من حديث ابن عباس، وأخرجه البخاري (١١٢، ٢٤٣٤) (٦٨٨٠) ومسلم (١٣٥٥) من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.