للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قدر عليه ويكبر هو، وكما أن الإنابة في أَصْلِ الحَجِّ إنما تجوز عند العلّة التي لا يرجى زَوَالُهَا فكذلك الإِنَابَة في الرَّمْي لكن النظر هَاهُنَا إلى دَوَامِهَا إلى آخر وَقْتِ الرمي، ولا ينفع الزوال بعده، وكما أن النَّائِبَ في أصْلِ الحَجِّ لا يَحُجُّ عَنِ المُنِيبِ إلا بعد حَجَّهِ عَنْه نَفْسِهِ، فالنَّائب في الرَّمي لا يرمي عن المُنِيب إلا بَعْدَ أن يرمي عَنْ نَفْسِهِ، ولو فعل وقع عن نفسه، ولو أغمي عليه ولم يأذن لغيره في الرَّمْي عنه لم يجز الرَّمي عنه، وإن أذن فللمأذون الرَّمي عنه في أَصَحِّ الوجهين، ولا يبطل هَذَا الإِذْن بالإغماء؛ لأنه وَاجِبٌ كما لا تبطل الاستنابة في الحَجِّ بالموت بِخِلاَفِ سَائِرِ الوَكَالاَتِ.

وإذا رَمَى النَّائِبُ ثُمَّ زَالَ عُذر المُنِيبُ والوقتُ بَاقٍ هَلْ عليه إعادة الرمي؟ قال الأكثرون لاَ، وقد سقط الرمي عنه برمي النائب، وفي "التهذيب" أنه على القولين فيما إذا أَحَجَّ المريض عنه نَفْسِهِ ثم برأ.

وقوله في الكتاب: (لم ينعزل نائبه) معلم بالواو، وقوله: (لأنه زيادة في العجز) معناه أن الدَّاعِيَ إلى هذه الإِنَابَةِ عَجْزُ الحَاجِّ عَنِ القِيَامِ بِهَذَا النُّسُك، فإذا طَرَأَ الإغْمَاءِ عَلَى المَرَضِ، ازداد العَجْز وتأكد الدَّاعي، فكيف نقول بانقطاع النيابة؟! -والله أعلم-.

قال الغزالي: وَلَوْ تَرَكَ رَمْيَ يَوْمٍ فَفِي تَدَارُكِهَا بَقِيَّةِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ قَوْلاَنِ، فَإِنْ قُلْنَا: يَتَدَارَكُ فَفِي كَوْنِهِ أَدَاءً قَوْلاَنِ، فَإِنْ قُلْنَا: أَدَاءً تَأَقَّتْ بِمَا بَعْدَ الزَّوَالِ وَكَانَ التَّوْزِيعُ عَلَى الأَيَّامِ مُسْتَحَبّاً، وَلاَ بُدَّ فِي التَّدَارُكِ مِنْ رِعَايَةِ التَّرْتِيبِ فِي المَكَانِ، فَلَوْ ابْتَدَأَ بِالْجَمْرَةِ الأَخِيرَةِ لَمْ يُجْزِهِ بَلْ يَبْدَأُ بِالْجَمْرَةِ الأولَى وَيَخْتِمُ بِجَمْرَةِ العَقبةِ، وَفِي وُجُوب تَقْدِيم القَضَاءِ عَلَى الأَدَاءِ قَوْلاَنِ، وَمَهْمَا تَرَكَ الجَمِيعَ يَكْفِيهِ دَمٌ وَاحِدٌ فِي قَوْلٍ، وَيلْزَمُهُ أَرْبَعَةُ دِمَاءٍ فِي قوْلٍ لِوَظِيفَةِ كُلِّ يَوْمٍ دَمٌ، وَفِي قَوْلِ دَمَانِ: دَمٌ لِجَمْرَةِ العَقَبَةِ وَدَمٌ لِأَيَّامِ مِنًى، وَفِي أَقَلِّ مَا يُكْمَلُ بِهِ الدَّمُ ثَلاَثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: وَظِيفَةُ يَوْمٍ، وَالثَّانِي: وَظِيفَةُ جَمْرَةٍ، وَالْثَّالِثُ ثَلاَثُ حَصَيَاتٍ.

قال الرافعي: هذه البقية تنظم مسائل:

إحداها: إذا ترك رَمْيُ يَوْمِ القَرّ عمداً أو سهواً هل يتداركه في اليوم الثاني أو الثَّالث؟ أو ترك رمي اليومِ الثَّانِيَ أو رَمْي اليومين الأولين هل يتداركه في الثالث؟ فيه قولان: أصحهما: نعم قاله في "المختصر" وغيره وبه قال أَبُو حَنِيفة كالرعاة وأهل السقاية. والثاني: لا كما لا يتدارك بَعْدَ أيام التَّشْرِيق.

التفريع إن قلنا: بأنه لا يتدارك في بقية الأيام فهل يتدارك رمي اليَوْم في اللَّيْلَةِ التي تَقَعْ بَعْدَه من لَيَالِي التَّشْرِيق؟ فيه وجهان، وهما مفرعان على الصَّحيحَ في أن وقته لا

<<  <  ج: ص:  >  >>