للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

والمقصود أن السنن إنما تؤخذ من مجموع العمل. وعلى هذا كان الناس في أول الأمر، وجرى في كلام فقهاء الأثر (١).

كذلك إذا ثبت خبر فيه عمل فلا تجعله سنة تُتعاهد ويواظَب عليها حتى تراها تتكرر في العمل الأول، وقد عرفتَ أن الفعل بفطرته لا يدل على العموم، وأن مأخذ السنن من جهة العمل.

- ومنها أن ندرك طريقة نقل الصحابة للدين، فقد كانوا يبينون بالعمل أكثر من بيانهم بالقول كما تقدم في جزء الآثار، والعلماء ورثة الأنبياء. وقد أخبر الله تعالى عنهم قولهم (واجعلنا للمتقين إماما) [الفرقان ٧٤] فاستجاب لهم ربهم (٢)، فلا تجد متقيا إلا مؤتما بهم مقتديا بأفعالهم كما اقتدوا بإمام المتقين ، فكان أحدهم يعمل ويفتي ولا يكاد يرفع الحديث.

وأصل هذا عمل النبي ، لم يكن يرفع إلى الله كل ما يوحى إليه من الحديث،


(١) - كما تجده مثلا في قول الليث بن سعد في رسالته إلى مالك قال: .. وقد عرفتُ أن مما عبت إنكاري إياه أن يجمع أحد من أجناد المسلمين بين الصلاتين ليلة المطر، ومطر الشام أكثر من مطر المدينة بما لا يعلمه إلا الله عز و جل لم يجمع إمام منهم قط في ليلة المطر وفيهم خالد بن الوليد وأبو عبيدة بن الجراح ويزيد بن أبي سفيان وعمرو بن العاص ومعاذ بن جبل وقد بلغنا أن رسول الله قال: وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ. ويقال: يأتي معاذ يوم القيامة بين يدي العلماء برتوة، وشرحبيل بن حسنة وأبو الدرداء وبلال بن رباح وقد كان أبو ذر بمصر والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص وبحمص سبعون من أهل بدر وبأجناد المسلمين كلها وبالعراق ابن مسعود وحذيفة وعمران بن حصين ونزلها علي بن أبي طالب سنين بمن كان معه من أصحاب رسول الله فلم يجمعوا بين المغرب والعشاء قط اه يريد استدلال مالك بحديث ابن عباس: صلى رسول الله الظهر والعصر جميعا والمغرب والعشاء جميعا في غير خوف ولا سفر قال مالك أرى ذلك كان في مطر. [الموطأ ٣٣٠] وهذا كما قال ربيعة وردَّ حديثَ بسرة في مس الذكر: وَيْحَكُم مثل هذا يأخذ به أحد؟ ونعمل بحديث بسرة؟ والله لو أن بسرة شهدت على هذه النعل لما أجزت شهادتها. إنما قوام الدين الصلاة، وإنما قوام الصلاة الطهور، فلم يكن في صحابة رسول الله من يقيم هذا الدين إلا بسرة!؟ [شرح معاني الآثار ١/ ٧١]
(٢) - روى ابن أبي شيبة [٣٠٤٨١] بسند صحيح أن ابن عمر كان من دعائه على الصفا: اللهم اجعلني من أئمة المتقين.

<<  <   >  >>