قال الصنعاني ﵀ (١): (أراد بعبد الدينار والدرهم من استعبدته الدنيا بطلبها، وصار كالعبد لها تتصرف فيه تصرف المالك؛ لينالها وينغمس في شهواتها ومطالبها.
وذكرُ الدينار والقطيفة مجرد مثال، وإلا فكلُّ من استعبدته الدنيا في أي أمر وشغلته عما أمر الله تعالى، وجعل رضاه وسخطه متعلقا بنيل ما يريد أو عدم نيله، فهو عبده، فمن الناس من يستعبده حب الإمارات، ومنهم من يستعبده حب الصور، ومنهم من يستعبده حب الأطيان.
واعلم أن المذموم من الدنيا كل ما يُبعد العبد عن الله تعالى، ويشغله عن واجب طاعته وعبادته، لا ما يعينه على الأعمال الصالحة، فإنه غير مذموم، وقد يتعين طلبه ويجب عليه تحصيله.
وقوله «رضِي»، أي: عن الله بما ناله من حطامها.
«وإن لم يعط لم يرض»، أي عنه تعالى ولا عن نفسه، فصار ساخطًا، فهذا الذي تعس؛ لأنه قصر رضاه على مولاه وسخطه على نيل الدنيا وعدمه.
والحديث نظير قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ الآية [الحج: ١١]).
ثم انتقل النبي ﷺ إلى بيان العبودية الشرعية، التي ما خُلق الخلق إلا لأجلها، وهي العبودية لله ﷿، فذكر صفة العابد لله في موطن الجهاد في سبيل الله، فهو ماسك بلجام فرسه في طريقه إلى الجهاد، لا ينظر إلى قطيفة ولا خميصة، ولا إلى أجر دنيوي؛ بل هو أشعث الرأس، مغبر القدمين.
(١) ينظر: سبل السلام للصنعاني (٢/ ٦٤٤).