الإبدع في فصوله وأبوابه، وأتى فيه بما لم يسبق إليه، ولم يقدم أحد من السابقين عليه، وهذا الفاضل لم يزل يعطر محافل العلماء بنشر مناقب شيخ الإسلام وأصحابه، ويجادل عنه تقريراً وتحريراً انتصاراً للحق وشغفاً به، وكم ألقم الخصم الألد حجر السكوت، وتركه من غيظه وخجله يكاد يموت، متع الله تعالى بحياته أرباب الاستفادة، وأسبغ نعمه عليه حتى ينال من كل خير مراده.
ومنهم الذكي الذي أذكى بوقاد ذهنه ذبالة نبراس الفضل بعد انطفائها، والألمعي الذي لمعت أشعة فكره على دارس الفواضل فأحياها بعد فنائها، العالم الأفضل والكامل الأكمل، أبو الهمم محمد كرد علي صاحب "مجلة المقتبس" لا زالت بدور فلك العرفان مقتبسة من أنوار شمس كماله أعظم قبس، فإنه حفظه الله تعالى منذ جرى جواد قلمه في مضمار ميادين القراطيس، وشرع لسان بيانه يجول في عرصات الدرس والتدريس، لم يزل مشغوفاً بذلك الإمام، ذاكراً لمحامده ومناقبه بين الخاص والعام، قد ملأ المجلات المصرية الشهيرة بيان فضائله ومعارفه، وما كان عليه من الدرجة الرفيعة، وما بث من الدقائق في صحائفه، وكم ترك خصومه ومن ناواه حيارى، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى، لا زال بالخير محفوفاً، ولا برح حائزاً من الفضائل صنوفاً.
إلى غير أولئك من الأكابر، ممن لا تستوعبهم الدفاتر، ولعل الله تعالى ييسر لنا إفراد كتاب نجمعهم فيه، ونستوعب من تكلم في مناقب الشيخ من أكابر أفاضل هذا العصر، ونذكر مالهم في هذا الباب من النصوص والعبارات، ومالهم من النظم والنثر في مديحه ليكون ذلك سفراً من أجل الأسفار، والله الموفق.
فيا أيها النبهاني قد سمعت ما سمعت من تقريري وبياني فهل بقي لك لوم، على مصنف "جلاء العينين" ووالده بسبب ما كان منهما من الانتصار للحق والذب عن السنة وإبطال البدع التي هي غذاء روحك الخبيثة؟ وقد سبقهما في ذلك علماء أعلام، ومشايخ عظام، ومن كان له إنصاف من ذوي الفضل الكرام، وأظن أنه لجهله لم ير في عمره مما ألف في هذا الباب سوى كتاب "جلاء العينين" ولم يعرف معناه، بل لم يحسن أن يقرأ عبارة لفظه ومبناه، فلذلك جعله سبابة المتندم،