وأرى ملوكا لا تحوط رعيّة ... فعلام تؤخذ جزية ومكوس
ويقول فيهم:
ظلموا الرعيّة واستجازوا كيدها ... فعدوا مصالحها وهم أجراؤها
فهم أجراء عند الشعب يأخذون رواتبهم من كدّه ويعتصرونها من عرقه، ومع ذلك يظلمونه ويبغون عليه ويكيدون له ويأتمرون به. ويتسع بحملته، فيشمل بها الناس من حوله فلا أخ كما مر بنا ولا صديق، وقد شاع الطمع والحقد والمكر والخديعة والخلق الزرىّ المشين. ولم ينس المرأة فى إعلان هذا السخط، فقد وصفها بأنها لا تنصف فى الود ولا تفى للعهد، ولم ينصح بتعلمها، فحسبها فى رأيه-الغزل والنسيج والرّدن أو الحياكة:
علّموهنّ النّسج والغزل والرّد ... ن وخلّوا كتابة وقراءه
وإنما دفعه إلى ذلك-فى رأينا-فساد المجتمع فى بعض جوانبه. وقد دفعه شعوره بالرحمة على الفقراء لزمنه والرأفة بهم أن دعا إلى المساواة بين الناس فى السرّاء والضرّاء، يقول:
كيف لا يشرك المضيقين فى النع ... مة قوم عليهم النّعماء
وكل هذه جوانب تمس إنسان عصره وما كان يريد له من حياة كريمة، وليس هذا هو الشطر الأكبر فى اللزوميات، فقد أودعها كما مرّ بنا آنفا كل ما شعر به من آلام الإنسان وأصابه وأوجاعه فى دنياه إزاء ما يصبّ عليه من شرورها وهمومها وأفاعيها التى تلدغه صباح مساء.
ويشيع أبو العلاء فى أشعاره حيرة تتراءى ظلالها فى اللزوميات مما جعل بعض القدماء والمعاصرين يقولون إنه كان يشك فى كل شئ ويتخذ الشك عقيدة له-كما اتخذه السوفسطائيون-ويسلطه على ما حوله حتى على الديانات، واستدلوا على ذلك بمثل قوله:
هفت الحنيفة والنصارى ما اهتدت ... ويهود حارت والمجوس مضلّله
اثنان أهل الأرض ذو عقل بلا ... دين وآخر ديّن لا عقل له
والبيتان فى هجاء أصحاب هذه الديانات لزمنه لا الديانات نفسها، إذ توزعوا أيامه فرقا كثيرة، وكل فرقة تكفّر أختها فى داخل الدين الواحد، وكان المذهب الإسماعيلى الفاطمى قائما فى مصر ويدعو له الحكام وعلماء الدين فى الشام. وطبيعى أن يعجب ممن يدعو لهذا المذهب المسرف