للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

التفكير فى شرور الحياة الإنسانية وآلامها ويستولى عليه تشاؤم لا أول له ولا آخر، كما يستولى عليه يأس يثقل عليه ثقلا طويلا ويملأ نفسه شقاء وعناء. وإذا كانت الحياة على هذا النحو من الشر ففيم إذن تلقى الأبناء لها من آبائهم وفيم الزواج وهى شر متصل، شر يؤذن دائما بالكوارث والخطوب وتلاحق الفواجع والنكبات، ولا منقذ ولا مخلص:

وهل يأبق الإنسان من ملك ربّه ... ويخرج من أرض له وسماء

إنه أسير شرور الحياة وهو لا يستطيع منها فكاكا ولا خلاصا، وحرىّ به أن لا يتخذ ولدا حتى لا يرمى به فى أتون هذه الشرور المهلكة. ولا تشغل أبا العلاء فى لزومياته الشرور الكبرى التى تقع دائما على عاتق الإنسان بل تشغله أيضا الشرور الصغرى التى تحيط بإنسان عصره، وأى شرور؟ شرور الحكم الفاسد لمصر والشام: حكم الفاطميين الذين أحاطهم دعاتهم بهالة قدسية، حتى زعموا أن قدرة الله انتقلت إليهم، كبرت كلمة تخرج من أفواههم، ولججوا فى نعتهم بصفات الله حتى آمنت طائفة فى زمن أبى العلاء بتجسد الألوهية فى الحاكم بأمر الله الخليفة الفاطمى.

وهذا البهتان فى العقيدة كان يروّج له دعاتهم وخطباؤهم فى المساجد، وفى رأينا أنهم المقصودون بحملة أبى العلاء على علماء الدين فى أيامه بمثل قوله:

نادت على الدين فى الآفاق طائفة ... يا قوم من يشترى دينا بدينار

جنوا كبائر آثام وقد زعموا ... أنّ الصغائر تجنى الخلد فى النار

وهو يتهمهم بأنهم باعوا باتباعهم المذهب الفاطمى دينهم بثمن بخس دراهم معدودة. وكما حمل على علماء الدين المروّجين للعقيدة الفاطمية حمل على الصوفية لقولهم بالحلول، وسخر كثيرا من ذكرهم وتواجدهم فيه، وسماه رقصا ومن قوله فيهم:

تزيّوا بالتصوف عن خداع ... فهل رزت الرجال أو اعتميت (١)

وقاموا فى تواجدهم فداروا ... كأنهم ثمال من كميت (٢)

وهاجم الحكّام عامة الذين يرهقون الشعب بضرائب فادحة، دون أن يؤدوا بها أى نفع له أو أى مصلحة، وفى ذلك يقول:


(١) راز: اختبر، اعتمى: اختار
(٢) الكميت: الخمر، ثمال: سكارى.

<<  <  ج: ص:  >  >>