للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

على العقب جيّاش كأن اهتزامه ... إذا جاش فيه حميه غلى مرجل (١)

يطير الغلام الخفّ عن صهواته ... ويلوى بأثواب العنيف المثقّل (٢)

درير كخذروف الوليد أمرّه ... تقلّب كفّيه بخيط موصّل (٣)

له أيطلا ظبى وساقا نعامة ... وإرخاء سرحان وتقريب تتفل (٤)

كأنّ على الكتفين منه إذا انتحى ... مداك عروس أو صراية حنظل (٥)

وهو وصف رائع لفرسه الأشقر، فقد صور سرعته تصويرا بديعا، وبدأ فجعله قيدا لأوابد الوحش إذا انطلقت فى الصحراء فإنها لا تستطيع إفلاتا منه كأنه قيد يأخذ بأرجلها. وهو لشدة حركته وسرعته يخيل إليك كأنه يفر ويكرّ فى الوقت نفسه وكأنه يقبل ويدبر فى آن واحد، وكأنه جلمود صخر يهوى به السيل من ذروة جبل عال، وإن لبده لشدة حركته ليسقط عنه وينزلق كما تنزلق الصخرة من منحدر بعيد. وهو يصبّ الجرى صبّا، ويسبق كل الخيل سبقا، لا يثير غبارا ولا نقعا، إنما هو أن يحركه راكبه فإذا به يغلى غليان القدر لا ينى ولا يفتر، وإذا راكبه لا يستطيع الثبات عليه، وما أشبهه فى سرعة انطلاقه بلعبة الخذروف الدوارة التى يلعب بها الصبيان، إذ يصلونها بخيط ويسرعون فى إمرارها إسراعا. وهو فرس ضامر كأنه ظبى نافر، فله خاصرتاه النحيلتان، بل لكأنه نعامة خفيفة فله ساقاها الضئيلتان الصلبتان، وهو يهوى فى الأرض كأنه الذئب الفزع ويقفز كأنه الثعلب الخائف. وإذا اعترضك خيّل إليك للمعانه وبريقه أنك تنظر إلى مداك عروس أو صراية حنظل. واستطرد امرؤ القيس يتحدث عن صيده، فوصف سربا من بقر الوحش عنّ لهم فى الصحراء مصورا كيف قيّده فرسه، فإذا هو يلحق بأوائله


(١) العقب: جرى بعد جرى، اهتزامه: صوت جوفه عند الجرى، الحمى: الغلى، المرجل: القدر.
(٢) يطير: يسقط، الخف: الخفيف، والصهوات: موضع اللبد من ظهره، ويلوى بأثواب العنيف: يذهب بها، العنيف: الأخرق. المثقل: الذى لا يحسن الركوب.
(٣) درير: سريع، خيط موصل: وصلت أجزاؤه، أمره: أمضاه.
(٤) السرحان: الذئب، التتفل: الثعلب، والإرخاء: العدو، التقريب: القفز.
(٥) مداك العروس: حجر تسحق عليه طيبها فيبرق، شبه به الفرس فى بريقه. الصراية: حنظلة صفراء براقة.

<<  <  ج: ص:  >  >>