ولئن سبقت-ولا سبقت-ليمضين ... من لا يشاكله لدىّ خليل
وأراك تكلف بالعتاب وودّنا ... صاف عليه من الوفاء دليل
ولعل أيام الحياة قليلة ... فعلام يكثر عتبنا ويطول
إنها حماقة أن يتمادى الأصدقاء فى العتاب، والحياة من شأنها ألا تجرى سويّة، وكل ما نبكى منه يوما نبكى عليه فى يوم تال، فأولى بنا ألا نفضى إلى التشاؤم.
إذ سرعان ما يطوى بساط الحياة، ولذلك خليق بالأصدقاء أن يعفوا عما قد يظنون بصداقتهم من كدر. ويعرض ابن حميد على صديقه الفراق الأخير الذى لا بد منه فراق الموت وكيف سيملأ صديقه عليه الفزع ويلتاع لوعة لا ينفعه إزاءها صراخ ولا عويل، وكذلك شأنه إن سبقه صديقه، وقيم العتاب وصداقتهما كلها صفاء وبرّ، وحرى بهما أن ينعما بتلك الصداقة قبل أن يقرع الموت الأبواب ويفترق الصديقان افتراقا لالقاء بعده. ولابن الرومى فى العتاب كثير من المعانى البارعة، من مثل قوله فى آل وهب (١):
وقد كنت أرجو منكم خير ناصر ... على حين خذلان اليمين شمالها
فإن أنتم لم تحفظوا لمودّتى ... ذماما فكونوا لا عليها ولا لها
وعفاء على هؤلاء الأصدقاء فقد كان يتخذهم دروعا وتروسا، فإذا هم عون للأعداء، وإذا هم يخذلونه خذلانا مروعا، خذلان اليمين للشمال، وإنه ليتوسل إليهم إن لم يحفظوا ذمام مودته وحرمته أن يكفوه شرهم كما كفوه خيرهم، فيكونوا