للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أن يكون بدرهم واحد، إلا ما كان من رجل سيئ الحظ كأنما استجيبت فيه دعوة لأبيه، أقدم على شرائه، فباعه منه بدراهم معدودة، وولى الصولى على وجهه يطلب السلامة من هذا البلاء الذى كان حلّ به. وكان مما يؤذى المهجوين حينئذ إيذاء شديدا أن يوصفوا بالقذارة، إذ كان العرب قد تحضروا وأسرفوا فى صور النظافة وفى التطيب بالعطور، وكأن من يوصف بنتن الرائحة يتلطخ بعار ما بعده عار، ويستغل ذلك الصولى فى أحد مهجويه قائلا له (١):

وكن كيف شئت وقل ما تشا ... وأبرق يمينا وأرعد شمالا

نجابك لؤمك منجى الذباب ... حمته مقاذيره أن ينالا

فليكن كما يشاء فإن أحدا لن يستطيع التعرض له لحقارته وقذارته. ومعروف أن ابن الرومى هو أكبر شعراء الهجاء فى العصر وأكثرهم سهاما لمهجويه، وكان يعرف كيف يصب عليهم التصغير والحقارة والضعة، كقوله المشهور فى وصف بخيل (٢):

يقتّر عيسى على نفسه ... وليس بباق ولا خالد

فلو يستطيع لتقتيره ... تنفّس من منخر واحد

ففتحة أنف واحدة كانت تكفيه، ولو أنه رأى فيها حقّا كفاية ما انتفع بالفتحة الأخرى، ولا حاول ذلك حرصا وبخلا وشحّا جبل عليه. وكانت لابن الرومى حاسة تلتقط العيوب الجسدية وتستطيع تكبيرها على نحو ما يصنع أصحاب الصور الكاريكاتورية الهزلية، فإنهم يعرفون كيف يستغلون دقائق العيوب فى الوجوه والأجسام، وتستحيل مقطوعات وقصائد كثيرة فى ديوان ابن الرومى إلى صور ساخرة من مهجويه، حتى ليأخذوا أحيانا شكل حيوانات مجترة وغير مجترة، كقوله فى بعض مهجويه (٣):

ما ظننت الإنسان يجترّ حتى ... كنت ذاك الإنسان عين اليقين


(١) الديوان فى مجموعة «الطرائف الأدبية» ص ١٦٣.
(٢) الديوان ص ٣٧٥.
(٣) الفن ومذاهبه فى الشعر العربى (الطبعة السابعة بدار المعارف) ص ٢١٤.

<<  <  ج: ص:  >  >>