للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

فقال الحسن وقتادة وغيرهما: الآيَة في اليَهُود كَفَرُوا بِعِيسَى بَعْد الإيمان بِمُوسَى ثم ازْدَادُوا كُفْرًا بمحمد صلى الله عليه وسلم.

وفي هذا القَوْل اضْطِرَاب، لأنَّ الذي كَفَر بِعِيسَى بعد الإيمان بِمُوسَى لَيس بالذي كَفَر بمحمد صلى الله عليه وسلم (١)، فالآيَة على هَذا التَّأوِيل تَخلِط الأسْلاف بالْمُخَاطَبِين (٢).

وقال أبو العالية رُفَيْع (٣): الآيَة في اليَهُود، كَفَرُوا بمحمد صلى الله عليه وسلم بعد إيمانِهم بِصِفَاتِه، وإقْرَارهم أنّها في التَّورَاة، ثم ازْدَادُوا كُفْرًا بالذُّنُوب التي أصَابُوهَا في خِلاف النبي صلى الله عليه وسلم مِنْ الافْتِرَاء والبُهْت والسَّعْي على الإسْلام وغَير ذَلك.

قال ابن عطية: وعلى هذا التَّرْتِيب يَدْخُل في الآيَة الْمُرْتَدّون اللاحِقُون بِقُرَيش وغَيرهم.

وقال مجاهد: مَعْنَى قَوله: (ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا) أي تَمُّوا على كُفْرِهم، وبَلَغُوا الْمَوْت بِه؛ فَيَدْخُل في هذا القَوْل اليَهُود والْمُرْتَدّون. وقال السدي نحوه.

ثم أخْبَرَ تَعالى أنَّ تَوْبَة هَؤلاء لَنْ تُقْبَل، وقد قَرَّرَتِ الشَّرِيعَة أنَّ تَوْبَة كُلّ كَافِر تُقْبَل سَوَاء كَفَر بَعْد إيمان وازْدَادَ كُفْرًا، أوْ كَان كَافِرًا مِنْ أوَّل أمْرِه، فلا بُدّ في هَذه الآيَة مِنْ تَخْصِيص تُحْمَل عَليه، ويَصِحّ به نَفْي قَبُول التَّوْبَة.

فقال الحسن وقتادة ومجاهد والسدي: نَفْي قَبُول تَوْبَتِهم مُخْتَصّ بِوَقْتِ الْحَشْرَجَة والغَرْغَرَة والْمُعَايَنة؛ فالْمَعْنَى لَنْ تُقْبَل تَوْبَتُهم عِنْد الْمُعَايَنَة.


(١) يمكن اعتبار ذلك من جهة أن من كفر بنبي واحد فكأنما كفر بجميع الأنبياء، كقوله تعالى: (كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوْحٍ الْمُرْسَلِينَ) [الشعراء: ١٠٥].
(٢) هذا ينتقض إذا قلنا بأن قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ) مستأنف.
(٣) اسم أبي العالية. تقريب التهذيب (ترجمة ١٩٦٤).

<<  <   >  >>