تَكُونُ مُنْدَرِجَةً فِيهِ، وَعَلَى هَذَا فَخُرُوجُ الْقِيَاسِ الْعَقْلِيِّ عَنِ الْحَدِّ الْمَذْكُورِ لِلْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ لَا يَكُونُ مُوجِبًا لِنُقْصَانِهِ وَقُصُورِهِ.
وَعَنِ الرَّابِعِ: أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ ذِكْرُ أَقْسَامِ الْجَامِعِ مِنَ الْحُكْمِ وَالصِّفَةِ وَتَعْيِينُ كُلِ دَاخِلٍ فِي مَفْهُومِ الْقِيَاسِ فَذِكْرُهُ لَمْ يَكُنْ لِتُوقِفِ مَفْهُومِ الْقِيَاسِ عَلَيْهِ حَتَّى يُقَالَ بِقُصُورِ التَّعْرِيفِ، بَلْ لِلْمُبَالَغَةِ فِي الْكَشْفِ وَالْإِيضَاحِ بِذِكْرِ الْأَقْسَامِ، وَذَلِكَ مِمَّا لَا يُخِلُّ بِالْحَدِّ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ الِاسْتِقْصَاءُ بِذِكْرِ بَاقِي أَقْسَامِ الْحُكْمِ وَالصِّفَةِ لِعَدَمِ وُجُوبِهِ.
وَعَنِ الْخَامِسِ: أَنَّ التَّحْدِيدَ وَالتَّعْرِيفَ قَدْ تَمَّ بِقَوْلِنَا: (حَمْلُ مَعْلُومٍ عَلَى مَعْلُومٍ بِأَمْرٍ جَامِعٍ بَيْنَهُمَا) وَمَا وَقَعَ فِيهِ التَّرْدِيدُ بِحَرْفِ (أَوْ) فَقَدْ بَانَ التَّحْدِيدُ (١) وَالتَّعْرِيفُ غَيْرُ مُتَوَقِّفٍ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ لِزِيَادَةِ الْبَيَانِ وَالْإِيضَاحِ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مَانِعًا مِنْ تَعْرِيفِ الْمَحْدُودِ، كَيْفَ وَإِنَّهُ لَا مَعْنَى لِلتَّرْدِيدِ سِوَى بَيَانِ صِحَّةِ انْقِسَامِ الْحُكْمِ وَالْجَامِعِ إِلَى مَا قِيلَ، وَصِحَّةُ الِانْقِسَامِ مِنَ الصِّفَاتِ اللَّازِمَةِ الَّتِي لَا تَرْدِيدَ فِيهَا.
وَعَنِ السَّادِسِ: أَنَّ الْمَطْلُوبَ إِنَّمَا هُوَ تَحْدِيدُ الْقِيَاسِ الصَّحِيحِ الشَّرْعِيِّ، وَالْفَاسِدُ لَيْسَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ فَخُرُوجُهُ عَنِ الْحَدِّ لَا يَكُونُ مُبْطِلًا لَهُ لَكِنَّهُ يَرِدُ عَلَيْهِ إِشْكَالُ مُشْكِلٍ لَا مَحِيصَ عَنْهُ وَهُوَ أَنَّ الْحُكْمَ فِي الْفَرْعِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا مُتَفَرِّعٌ عَلَى الْقِيَاسِ إِجْمَاعًا وَلَيْسَ هُوَ رُكْنًا فِي الْقِيَاسِ ; لِأَنَّ نَتِيجَةَ الدَّلِيلِ لَا تَكُونُ رُكْنًا فِي الدَّلِيلِ لِمَا فِيهِ مِنَ الدَّوْرِ الْمُمْتَنِعِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ فَيَلْزَمُ مِنْ أَخْذِ إِثْبَاتِ الْحُكْمِ وَنَفْيِهِ فِي الْفَرْعِ فِي حَدِّ الْقِيَاسِ أَنْ يَكُونَ رُكْنًا فِي الْقِيَاسِ وَهُوَ دَوْرٌ مُمْتَنِعٌ، وَقَدْ أَخَذَهُ فِي حَدِّ الْقِيَاسِ حَيْثُ قَالَ: (فِي إِثْبَاتِ حُكْمٍ لَهُمَا أَوْ نَفْيِهِ عَنْهُمَا) إِشَارَةً إِلَى الْفَرْعِ وَالْأَصْلِ.
وَالْمُخْتَارُ فِي حَدِّ الْقِيَاسِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ عِبَارَةٌ عَنِ الِاسْتِوَاءِ بَيْنَ الْفَرْعِ وَالْأَصْلِ فِي الْعِلَّةِ الْمُسْتَنْبَطَةِ مِنْ حُكْمِ الْأَصْلِ، وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ جَامِعَةٌ مَانِعَةٌ وَافِيَةٌ بِالْغَرَضِ عَرِيَّةٌ عَمَّا يَعْتَرِضُهَا مِنَ التَّشْكِيكَاتِ الْعَارِضَةِ لِغَيْرِهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ. (٢)
(١) بَانَ التَّحْدِيدُ: تَمَّ وَانْتَهَى
(٢) هَذِهِ التَّعَارِيفُ دَخَلَتْهَا الصِّنَاعَةُ الْمَنْطِقِيَّةُ الْمُتَكَلِّفَةُ فَصَارَتْ خَفِيَّةً غَامِضَةً وَاحْتَاجَتْ إِلَى شَرْحٍ وَبَيَانٍ وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ تَسْلَمْ مِنَ النَّقْدِ وَالْأَخْذِ وَالرَّدِّ، وَلَوْ سَلَكُوا فِي الْبَيَانِ طَرِيقَةَ الْقُرْآنِ وَسُنَّةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَمَعْهُودَ الْعَرَبِ، وَمَأْلُوفَهُمْ مِنَ الْإِيضَاحِ بِضَرْبِ الْأَمْثَالِ لَسَهُلَ الْأَمْرُ وَهَانَ الْخَطْبُ