للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى

فِي الِاسْتِدْلَالِ بِاسْتِصْحَابِ الْحَالِ

وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ: فَذَهَبَ أَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ كَأَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ وَغَيْرِهِ إِلَى بُطْلَانِهِ، وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ جَوَّزَ بِهِ التَّرْجِيحَ لَا غَيْرَ.

وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ كَالْمُزَنِيِّ وَالصَّيْرَفِيِّ وَالْغَزَالِيِّ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ إِلَى صِحَّةِ الِاحْتِجَاجِ بِهِ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ، وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الِاسْتِصْحَابُ لِأَمْرٍ وُجُودِيٍّ أَوْ عَدَمِيٍّ أَوْ عَقْلِيٍّ أَوْ شَرْعِيٍّ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ مَا تَحَقَّقَ وَجُودُهُ أَوْ عَدَمُهُ فِي حَالَةٍ مِنَ الْأَحْوَالِ، فَإِنَّهُ يَسْتَلْزِمُ ظَنَّ بَقَائِهِ (١) وَالظَّنُّ حُجَّةٌ مُتَّبَعَةٌ فِي الشَّرْعِيَّاتِ عَلَى مَا سَبَقَ تَحْقِيقُهُ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّهُ يَسْتَلْزِمُ ظَنَّ بَقَائِهِ لِأَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ:

الْأَوَّلُ: أَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ لَوْ شَكَّ فِي وُجُودِ الطَّهَارَةِ ابْتِدَاءً لَا تَجُوزُ لَهُ الصَّلَاةُ (٢) وَلَوْ شَكَّ فِي بَقَائِهَا جَازَتْ لَهُ الصَّلَاةُ (٣) وَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْأَصْلُ فِي كُلٍّ مُتَحَقَّقًا دَوَامُهُ (٤) لِلُزُومِ إِمَّا جَوَازِ الصَّلَاةِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى، أَوْ عَدَمِ الْجَوَازِ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ (٥)


(١) ظَنَّ بَقَائِهِ؛ أَيْ: ظَنَّ بَقَاءِ مَا كَانَ مُتَحَقَّقًا قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ وُجُودٍ أَوْ عَدَمٍ.
(٢) هَذَا يَصْلُحُ مِثَالًا لِاسْتِصْحَابِ أَمْرٍ عَدَمِيٍّ.
(٣) هَذَا مِثَالًا لِاسْتِصْحَابِ أَمْرٍ وُجُودِيٍّ
(٤) مُتَحَقَّقًا دَوَامُهُ، هَكَذَا وُجِدَ بِالْمَخْطُوطَةِ وَالنُّسَخِ الْمَطْبُوعَةِ بِنَصْبِ " مُتَحَقَّقًا " خَبَرًا لِلْكَوْنِ، وَ " دَوَامُهُ " بِالرَّفْعِ نَائِبُ فَاعِلٍ لِمُتَحَقَّقِ، وَكَأَنَّ فِيهِ تَحْرِيفًا، وَلَعَلَّ الْأَصْلَ جَرُّ مُتَحَقَّقٍ بِالْإِضَافَةِ إِلَى كُلٍّ، وَنَصْبُ دَوَامِهِ عَلَى الْخَبَرِيَّةِ لِلْكَوْنِ، وَبِذَلِكَ يَتَّفِقُ مَعْنَاهُ مَعَ مَا تَقَدَّمَ لَهُ فِي قَوْلِهِ: " لِأَنَّ مَا تَحَقَّقَ وَجُودُهُ أَوْ عَدَمُهُ فِي حَالَةٍ مِنَ الْأَحْوَالِ، فَإِنَّهُ يَسْتَلْزِمُ ظَنَّ بَقَائِهِ "، فَالْبَقَاءُ مَظْنُونٌ لَا مُتَحَقَّقَ، وَإِنَّمَا يَكُونُ مُتَحَقَّقًا بِأَدِلَّةٍ خَارِجِيَّةٍ، لَا لِمُجَرَّدِ اسْتِصْحَابِ الْحَالِ، وَيَتَّفِقُ أَيْضًا مَعَ قَوْلِهِ بَعْدُ: " لَوْ لَمْ يَكُنِ الرَّاجِحُ الِاسْتِصْحَابَ " إِلَخْ. وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَيْضًا ذِكْرُهُ مَرَّاتٍ فِي الْمُنَاقَشَةِ بِالْجَرِّ مُضَافًا إِلَى كُلٍّ.
(٥) فِيهِ أَنَّ الصُّوَرَةَ الثَّانِيَةَ غَيْرُ مُجْمَعٍ عَلَيْهَا كَمَا سَيَجِيءُ فِي مُنَاقَشَتِهِ لِهَذَا الْوَجْهِ.

<<  <  ج: ص:  >  >>