المصيبة فيشبّهها بنعمة، وبما تستشعره من تجلّد فى النازلة ينزل عليها صلوات من ربّها ورحمة. ولن ترى أعجب من مصاب لا ترى به إلا مصابا، وساكن ترب لم يبق بعده إلا من سقى بدمعه ترابا؛ اشترك فيه الأمّتان العرب والعجم، وعزّى به العزيزان المجد والكرم، واستباح الدهر به الصيد فى الحرم.
وتشابه الباكون فيه فلم يبن ... دمع المحقّ لنا من المتعمّل
وكتب أيضا فى مثل ذلك: أخّرت مكاتبة الحضرة- مدّ الله فى عمرها وفى صبرها وفى أجرها، وألهمها التسليم لحكم من هو غالب على أمرها- إلى أن تنقضى نبوة الخطب، وتضع الأنفاس أوزارها للحرب، ويخرج ماء الجفن نار القلب؛ وتراجع الخواطر إلى عاداتها، وتنظر فى الدنيا التى ما صحبت إلا على عادياتها ومعاداتها؛ فتكون الحضرة عرفت من غير تعريف، ووقفت على الحزم من غير توقيف؛ وتوفّر عليها الثواب بغير مشارك، ورجعت إلى فهم مدرك وصواب مدارك. وتأخير التعزية عن البادرة خلاف ما شرع فيها، ولكن إنما يحتاج أن يثبّت من صبره هاف، ويرمّ من تجلّده عاف. وقد علم الله اهتمامى واغتمامى بفقد شيخها رحمه الله وعدمها منه من لا عوض عنه إلا ثواب الله الذى يهوّن الوقائع، ويوطّن على الروائع. وأسباب التعزية غير واحدة، منها أنه إنما درج فى السنّ التى هى معترك المنايا، ومنها أنه ما خرج عن الدنيا الى أن رأى منها خلفا يهوّن الرزايا؛ ومنها أنه لقى الله بعمل صالح هو بمشيئة الله نجاته، ومنها أنه فارقها على الرضا عنها ويكفيها مرضاته، وعلى الدعاء المقبول لها ونعمت الجنن دعواته.
ولكن للألّاف لا بدّ حسرة ... إذا جعلت أقرانها تنقطع
ومنها أن الحزن لو أطيع والحزم لو أضيع لما أفضى إلى مراد، ولا أعاد ميّتا قبل المعاد. وأحقّ متروك ما يأثم طالبه، ويؤجر مجانبه.