الصرح الخالد، لا يسعه إلا أن يرتد بذهنه إلى الماضى البعيد، فيذكر قصة أمة مجيدة، كانت سيدة هذه الأرض والمهاد، وحضارة زاهرة كانت تفيض على هذه الأرض والمهاد، عظمة ونعماء ونوراً.
وللحمراء تاريخ قديم يرجع إلى القرن الرابع الهجرى (العاشر الميلادى) أيام الدولة الإسلامية الكبرى. وقد كانت يومئذ قلعة متواضعة. وتتحدث الرواية الأندلسية المعاصرة عن قلعة بنيت على ضفة نهر حدرُّه El Darro اليسرى، تسمى قلعة الحمراء، وتذكرها بالأخص أيام الحروب الأهلية التى اضطرمت فى منطقة غرناطة، بين المولدين والبطون العربية، ومما قاله شاعر من شعراء ذلك العصر هو عبد الله العبلى، فى الإشارة إلى فتن غرناطة وإلى قلعة الحمراء:
منازلهم منهم قفار بلاقع ... تجارى إلسَّفا فيها الرياحُ الزعازع
وفى القلعة الحمراء تبديد جمعهم ... وفيها عليهم تستدير الوقائع
كما جدَّلت آباءهم فى خلائها ... أسنتها والمرهفاتُ القواطع
ولما تولى باديس بن حبُّوس زعيم البربر حكم غرناطة، واتخذها قاعدة لملكه فى أوائل القرن الخامس الهجرى، أنشأ سوراً ضخماً حول التل الذى تقع عليه القلعة المذكورة، وأنشأ فى داخله قصبة (قلعة) اتخذها مقاماً له، ومركزاً لحكومته، وسميت بالقلعة الحمراء، تجديداً لاسمها القديم. ثم زيد فى القلعة، واتسع نطاقها بمضى الزمن، وغدت حصن غرناطة وقصبتها أو بعبارة أخرى معقلها الرئيسى.
ولما غلب محمد بن الأحمر على غرناطة فى سنة ٦٣٥ هـ (١٢٣٨ م)، أنشأ فوق هذا الموقع القديم، وداخل الأسوار، حصنه أو قصره الذى أطلق عليه اسم الحمراء، وجلب له الماء من نهر حدرُّه، واتخذه قاعدة للملك، وأنشأ فيه عدة أبراج منيعة منها البرج الكبير المسمى برج الحراسة Torre de la Vela، والبرج المقابل له، وأنشأ له سوراً ضخماً يمتد حتى مستوى الهضبة. والظاهر أنه بنى مسكنه فى الجنوب الغربى من الحصن، أعنى فى نفس المكان الذى يقوم عليه قصر الإمبراطور شرلكان. ومن المرجح أن اسم الحمراء يرجع إلى قيام قصر ابن الأحمر فوق أطلال قلعة الحمراء القديمة، وليس إلى تسميته باسمه. وقد ذكر البعض أن إطلاق اسم الحمراء على صرح غرناطة الملكى يرجع إلى احمرار أبراجه الشاهقة، أو إلى لون الآجر الأحمر الذى بنيت به الأسوار الخارجية. وقيل أيضاً إن التسمية ترجع إلى لون المشاعل الحمراء التى كان يجرى البناء ليلا على ضوئها. ولكنا نؤثر الأخذ