للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

اضطرمت بين الموحدين وبين الماسي، برسالته التي كتبها بتكليف الشيخ أبى حفص الهنتاني إلى الخليفة، وصفاً لهذه المعركة، وما كان من حظوته لدى الخليفة بسببها، وتوليه الوزارة، وتوطد سلطانه ونفوذه، حتى غدا من أقرب أعوان الخليفة، وآثرهم لديه، وأكثرهم فوزاً بثقته. وكان أبو جعفر في الواقع من أقدر وزراء الدولة المؤمنية، وأوفرهم كفاية، وأبرعهم خلالا، وكان رضي النفس قريب المنال، خدوماً يعمل على قضاء الحوائج، فأحبه الناس، وقدروا مروءته، ومكانته.

وكان يبدو أن ابن عطية، ما يزال متمتعاً برفيع مكانته ونفوذه، حينما بعثه الخليفة إلى الأندلس ليكون إلى جانب ولده السيد أبى يعقوب، وليعالج قضية ألمرية.

بيد أنه كان ثمة طائفة من تيارات خفية تعمل ضده، وتسعى إلى تقويض نفوذه، والقضاء عليه، وكان ابتعاده عن مراكش فرصة سانحة لخصومه، يحكمون فيها تدبير خطتهم ودسائسهم. وفي خلال ذلك استوزر عبد المؤمن، عبد السلام ابن محمد الكومي، من قرابته وأبناء قبيلته كومية (١)، فتزعم خصوم ابن عطية، واشتد في مطاردته، والحملة عليه والتشهير به، وتتبع عوراته وسقطاته " وأغرى صنايعه، وشحن عليه حاشيته " حسبما يقول لنا ابن الخطيب " فبروا وراشوا وانقلبوا ". وكان في مقدمة ما نسب إلى أبى جعفر، ممالأته اللمتونيين، وإسرافه في اصطناعهم، وتوليتهم الأعمال والوظائف، وفوق ذلك، فقد كانت زوجه لمتونية، أبوها يحيى الحمار من أمرائهم، وأمها ابنة زينب بنت علي بن يوسف (٢)، فكانت هذه الظروف، تثير من حوله الريب، وتدمغه في نظر المتعصبين من أشياخ الموحدين. وكان يعمل لإهلاكه إلى جانب الوزير عبد السلام الكومي، رجل ممن شملتهم حمايته ورعايته، فكفر بشكر الصنيعة، هو القاضي مروان بن عبد العزيز، أمير بلنسية السابق، وكان ابن عطية قد سعى في إطلاق سراحه من سجنه الطويل بميورقة، واستغل في ذلك نفوذه لدى واليها إسحق بن محمد بن غانية، فعبر البحر إلى بجاية، ثم إلى مراكش، فأسعفه ابن عطية، وعاونه على الانتظام في


(١) ذكر لنا البيذق نوع هذه القرابة، فقال إن والدة عبد المؤمن " تعلو" لما توفي زوجها الأول على والد عبد المؤمن، تزوجت من بعده، والد عبد السلام الكومي، ورزقت منه بابنة سميت فندة، فكانت فندة هذه أخت عبد المؤمن لأمه وعبد السلام الكومي لأبيه (أخبار المهدي ابن تومرت ص ٢٤).
(٢) ابن الخطيب في الإحاطة (١٩٥٦) ج ١ ص ٢٧٣.

<<  <  ج: ص:  >  >>