هنا على إرادة الاستغراق حالية لظهور أن ليس المراد حقيقة الغيب وماهيته إذ ليس ذلك مما استأثر الله بعلمه، ولا أن يكون المراد فردا مبهما أو معينا من أفراد الغيب، فحاشا لله العليم بخفايا الأمور أن يقتصر علمه على بعض الغيوب فتعين إذًا أن يكون المراد جميع الأفراد التي يتناولها لفظ الغيب وضعا.
والمقالية: كما في قوله تعالى: {إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ} فالقرينة هنا على أن المراد عموم الأفراد، لا الحقيقة نفسها، ولا فرد مبهم أو معهود من أفرادها صحة الاستثناء الآتي بعد في قوله تعالى:{إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}" الآية"، فهي أمارة العموم١ إذ إن شرط الاستثناء دخول المستثنى في المستثنى منه لو سكت عن ذكر المستثنى، ودخوله فيه فرع عن عمومه الدال على الاستغراق, ولو أريد بالإنسان الحقيقة نفسها لما صح استثناء الأفراد منه لعدم تناول اللفظ هنا، وإن أريد بعض مبهم أو معين لم يصح الاستثناء كذلك لعدم تحقق دخول المستثنى في المستثنى منه، وهذا الدخول -كما قلنا- شرط في صحة الاستثناء فتعين أن يكون المراد جميع الأفراد التي يتناولها الإنسان وضعا.
ومثل الآية ما مثلنا به للاستغراق العرفي من نحو قولنا:"امتثل الجند أمر الأمير"، فالقرينة فيه على أن المراد عموم الأفراد عرفا، لا الحقيقة نفسها ولا فرد مبهم من أفرادها قوله:"امتثل" فإن الحقيقة من حيث هي لا توصف بالامتثال أو عدمه، وإنما ذلك من صفات الأفراد, كما لا معنى أن يقال: امتثل الجند أمر الأمير ويراد فرد مبهم من أفرادهم فتعين أن يكون المراد جميع الأفراد التي يتناولها لفظ الغيب عرفا.
تنبيهان:
الأول: علم مما سبق أن حمل "أل" التي للعهد الذهني على
١ دلالة الاستثناء على الاستغراق بناء على القول بوجوب دخول المستثنى في المستثنى منه, أما على القول بأنه يكفي في صحة الاستثناء جواز الدخول فلا دلالة للاستثناء على الاستغراق حينئذ.