للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فيهما تبعا لجريانها في المصادر -كما رأيت- فتشبيه الدلالة بالنطق في المثال السابق يتبعه تشبيه "دل بنطق"، واستعارة النطق للدلالة يتبعه كذلك استعارة "نطق لدل"؛ لأن الفعل مشتق من المصدر، فكل تصرف يجري في المصدر يجري نظيره في الفعل تبعا له، وكذلك سائر المشتقات.

وإنما اعتبر التشبيه والاستعارة في المصدر قبل اعتبارهما في الفعل وسائر المشتقات؛ لأن المصدر هو المعنى القائم بالذات، فهو المقصود الجدير بأن يعتبر فيه التشبيه والاستعارة أولا، والشيء إذا اشتمل على قيد كان الغرض هو ذلك القيد, هذا هو التحقيق.

وقالوا في تعليل كون الاستعارة في الأمرين المذكورين تبعية: إن الاستعارة تعتمد التشبيه، وتنبني عليه، والتشبيه يقتضي اتصاف طرفيه بوجه الشبه -كما علمت- وإنما يصلح للموصوفية الحقائق الثابتة كالأجسام وأشباهها. أما ما كان مدلوله متجددا أي: غير متقرر ثابت كمعاني الأفعال, والصفات المشتقة فلا يصلح للموصوفية, فلا يصح فيه التشبيه، فلا تجري فيه الاستعارة الأصلية وإنما كانت مدلولاتها غير متقررة لدخول الزمان -وهو غير قار الذات- في مفهوم الأفعال، ولزومه للصفات.

ورد هذا الدليل بألا يسلم لهم قولهم: لا يصلح للموصوفية غير الحقائق الثابتة, إذ قد صح أن يوصف كل من الحركة والزمان، فيقال: حركة بطيئة، وزمان عصيب، مع القطع بعدم تقررهما وثباتهما, على أن عروض الزمان للصفات لو كان مانعا من جريان التشبيه فيها, لما صح جريانه في المصادر أيضا لعروض الزمان لمفهومها كذلك؛ لأنها دالة على الأحداث، ولا بد لها من زمان تقع فيه، مع أن الاستعارة في المصادر أصلية. وعلى تقدير تسليم ما ذكروا لا يتناول دليلهم أسماء الزمان والمكان والآلة؛ لأنها تصلح للموصوفية، فيقال: هذا مقام واسع،

<<  <  ج: ص:  >  >>