العلم بهذا الوضع- من انتقال العقل من المعنى الموضوع له "إنسان" إلى جزئه ضرورة أن الكل يتضمن الجزء، أو إلى لازمه ضرورة أن الملزوم يستلزم اللازم. وإنما اقتصر على العقل في تسمية هاتين الدلالتين, مع أن كلا من العقل والوضع سبب فيهما؛ لأن سببية العقل أقرب من سببية الوضع، ذلك أن انتقال العقل من الكل إلى جزئه أو من الملزوم إلى لازمه إنما جاء بعد العلم بوضع اللفظ لهذا الكل، أو لهذا الملزوم, فهو لذلك سبب قريب، والذهن إلى القريب أكثر التفاتا منه إلى البعيد١.
والمقصود بالبحث في هذا الفن هو الدلالة العقلية بنوعيها, إذ هي التي يتأتى فيها الاختلاف في الوضوح الذي هو موضوع هذا الفن.
بيان ذلك في التضمنية: هو أنه يجوز أن يكون المعنى الواحد جزءا من شيء "كالجسم" فإنه جزء من الحيوان، وأن يكون جزءا لجزء من شيء آخر "كالجسم" أيضا, فإنه جزء من الحيوان الذي هو جزء من الإنسان. وإذًا تكون دلالة الحيوان على الجسم الذي هو جزؤه المباشر أوضح من دلالة الإنسان على الجسم الذي هو جزء جزئه. ومثل الجسم - فيما قلنا- "التراب" فإنه جزء من الجدار الذي هو جزء من البيت، وحينئذ تكون دلالة الجدار
١ أما جمهور المناطقة فيسمون الدلالات الثلاث وضعية؛ لأن للوضع مدخلا فيها، وهم يعتبرون في تسميتها وضعية السبب البعيد لأنه الأصل، ويخصون العقلية -سواء كانت لفظية أو لا- بما يقابل الوضعية والطبيعية كدلالة الدخان على النار, ودلالة اللفظ على حياة اللافظ. فالدلالة عندهم ثلاثة أقسام: عقلية كما مثلنا، ووضعية كالمطابقية وأختيها، وطبيعية كدلالة الحمرة على الخجل، ودلالة التأوه على المريض, بخلاف البيانيين فإن العقلية عندهم لا تقابل الوضعية؛ إذ الوضعية قد تكون عقلية كالتضمنية والالتزامية كما عرفت.