أما أنه لا يحسن في الأول؛ فلأن سكب الدموع حينئذ يدخل في حيز الطلب، ولا يخفى أن الحزن والبكاء شعار العاشق المهجور، لا ينفكان عنه بحال. فطلبهما إذًا ضرب من العبث لحصولهما, اللهم إلا أن يقال: إن المراد طلب استمرار السكب لا أصله، وهذا الاحتمال هو سر عدم بطلان العطف على بعد الدار.
وأما أنه لا يصح في الثاني؛ فلأن تعليل طلب بعد الديار بالقرب يدل على أن المقصود من طلب البعد قرب الأحبة المقتضي للفرح والابتهاج، فلو عطف على "لتقربوا" لكان طلب البعد معللا بالحزن المدلول عليه بسكب الدمع، وتعليله به يقتضي أن المقصود من طلب بعد الدار حصول الحزن والكآبة له، لا قرب الأحبة. فالتعليل الثاني حينئذ يفيد نقيض ما أفاده الأول؛ وإذًا بطل النصب عطفا على "لتقربوا" كما لم يحسن عطفا على "بعد الدار", وتعين الرفع عطفا على "أطلب".
ومعنى البيت: أن ابن الأحنف يطلب البعد عن أحبته غير مبالٍ بما يعانيه في ذلك من غصص الفرقة، وآلام النوى، ويعتزم أن يوطن نفسه على تجرع كئوس الأسى لفراق من أحبهم، وهام بهم, عساه فيما بعد يحظى بوصل مقيم، وفرح لا يزول, وكأنه بذلك يخادع الزمان، ويغالطه ليوافيه بضد ما يطلب على عادة الدهر من محاربة الناس في مطالبهم، ووقوفه حائلا دون ما يأملون، وبذلك يتم للشاعر -في غفلة الدهر- ما أراد من لقاء الأحبة والابتهاج والأنس بهم, على حد قول الشاعر:
ولطالما اخترت الفراق مغالطا ... واحتلت في استثمار غرس ودادي
ورغبت عن ذكر الوصال لأنها ... تبني الأمور على خلاف مرادي
والشاهد في بيت ابن الأحنف قوله:"لتجمدا" فإنه لم يوفق