للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

ولأجل اختصاص "هل" بطلب التصديق، وتخليصها المضارع للاستقبال اختصت بدخولها على الفعل لفظًا أو تقديرًا, تقول في الأول: "هل يعود أبوك من سفره"؟ وتقول في الثاني: "هل أبوك يعود من سفره"؟ على تقدير رفع "أبوك" في المثال الثاني على الفاعلية لفعل محذوف يفسره المذكور.

فإن عدل بها عن الجملة الفعلية إلى الاسمية كان ذلك لنكتة بلاغية أن يجعل ما سيوجد كأنه حاصل موجود اهتمامًا بشأنه، ودلالة على شدة المرغبة فيه نحو: "هل علي مجتهد؟ " والأصل: أن يقال: هل يجتهد علي؟ بمعنى: هل سيحصل اجتهاد من "علي" فيما بعد, غير أنه لما كان الاجتهاد منه مرغوبًا فيه جد الرغبة مطلوبا أشد الطلب أبرز في صورة الحاصل الآن كما هي عادة الإنسان إذا اشتدت رغبته في شيء مستقبل الوقوع تخيله واقعًا؛ لهذا عبر بالجملة الاسمية؛ لأنها أدل على طلب حصول الاجتهاد لدلالتها على الثبوت القائم.

ومن هنا كان قوله تعالى: {هَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُون} الذي عدل فيه عن الجملة الفعلية إلى الاسمية أدل على طلب حصول الشكر من العباد مما لو قيل: "فهل تشكرون؟ "، أو "أفأنتم شاكرون؟ ".

أما وجه الأدلية "في الأول" فلأن "هل" عشيقة الفعل، لا ترضى به بديلا، فإذا أبعد عنها، وأتى بالجملة الاسمية في مكانه كان ذلك دليلا على كمال العناية بمدلول هذه الجملة لأنها -كما ذكرنا- أدل على طلب حصول المقصود لدلالتها على حصول قائم بخلاف الفعلية١ فإنها إنما تدل على حصول سيأتي.

وأما وجه الأدلية "في الثاني" فلأن "هل" أشد ارتباطًا بالفعل من الهمزة، فانفكاكه عنها أشد عسرًا من انفكاكه عن الهمزة لفرط تعلق "هل" به، فيكون ذلك أدل على شدة الاهتمام بمدلول الجملة الاسمية لهذا كان قوله تعالى: {هَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ} ؟ أدل على طلب حصول الشكر مما لو قيل: "أفأنتم شاكرون؟ "، مع اتحاد نوعي الجملة فيهما, ولذلك لا يحسن أن يقال: "هل أنت شاكر"؟ إلا من البليغ، لأنه


١ أي المضارعية لأن الحديث فيها.

<<  <  ج: ص:  >  >>