للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فقد شبه هيئة العنان في موقعه من قربوس السرج. بهيئة الثوب في موقعه من ركبتي المحتبي ثم استعار لفظ "الاحتباء" لهذه الهيئة١, فهذه الاستعارة غريبة لما في الجامع من كثرة الاعتبارات الموجبة لصعوبة إدراكه، وبعده عن الأذهان, فضلا عن كونها على نمط غير مألوف. لا يقع في كلامهم إلا نادرا, ذلك أن الانتقال إلى معنى "الاحتباء" وهو ألا يجمع الرجل ركبتيه منضمتين إلى بطنه بنحو ثوب ممتد من الركبتين إلى الظهر عند استحضار إلقاء العنان على القربوس، في غاية الندرة، لما بين المعنيين من البعد٢.

وقد يكون منشأ الغرابة: ما فيها من طرافة، ولطف مأخذ كما في قول طفيل الغنوي:

وجعلت كوري فوق ناجبة ... يقتات شحم سنامها الرحل٣

يقول: إن شحم سنام الناقة تضاءل وضمر لطول عهد الرحل به، وكأن الرحل كان يقتات منه. يصف نفسه بكسرة الأسفار. والشاهد فيه: أنه استعار "الاقتيات" لإذابة شحم السنام -ولا شك أن في التعبير بالاقتيات في جانب الشحم- وهو مما يقتات به نوع لطف وطرافة، يشعر به صاحب الذوق البلاغي، ومما زاده طرافة ولطفا إسناده إلى "الرحل" إسنادا مجازيا، من إسناد الفعل إلى سببه.

وقد يتصرف في الاستعارة العامية بما يخرجها من الابتذال إلى الغرابة: بأن يضم إليها تجوز لطيف، اقتضته الحال، كما في قول كثير عزة:


١ لأن جمع القربوس مضموما إلى فم الفرس, بالعنان ممتدا من القربوس إلى جانبي الفم يشبه هيئة الاحتباء, وهو جمع ركبتي المحتبي منضمتين إلى بطنه بنحو ثوب ممتد من الركبتين إلى الظهر.
٢ إذ إن أحدهما من وادي الركوب، والآخر من وادي العقود.
٣ "الكور" بضم الكاف رحل البعير، والناجبة الناقة السريعة، والاقتيات اتخاذ القوت، والسنام الجزء المرتفع من ظهر الناقة.

<<  <  ج: ص:  >  >>