للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

الصحبة، وكان الوفيّ بعهد الصداقة، أما عليّ فبات على فراش الرسول الذي كان المشركون قد بيتوا الفتك به. وعبده زيد حلّ من النبي الكريم محل الولد بعطفه عليه ورأفته به، فلما جاء أبوه الذي ولد من صلبه يطلب ردّ ابنه عليه خيّره رسول الله صلّى الله عليه وسلم بين أن يصحب أباه، أو يبقى تحت جناحين من عطف الرسول ورأفته، فاختار صحبة النبي صلّى الله عليه وسلم على الرجوع مع أبيه إلى قبيلته. يقول هيجنس في كتابه (الاعتذار عن محمد والقرآن (md.and Quran

:rof ygoloppA إنّ أتباع عيسى (عليه السلام) ينبغي لهم أن يجعلوا على ذكر منهم أنّ دعوة محمد صلّى الله عليه وسلم أحدثت في نفوس أصحابه من الحميّة ما لم يحدث مثله في الأتباع الأولين لعيسى (عليه السلام) ، ومن بحث عن مثل ذلك لا يرجع إلا خائبا، فقد هرب الحواريون، وانفضوا عن عيسى حين ذهب به أعداؤه ليصلبوه، فخذله أصحابه، وصحوا من سكرتهم الدّينية، وأسلموا نبيّهم لأعدائه يسقونه كأس الموت، أما أصحاب محمد فالتفوا حول نبيهم المبغيّ عليه، ودافعوا عنه مخاطرين بأنفسهم إلى أن تغلّب بهم على أعدائه» .

وحين كرّ مشركو قريش يوم أحد على المسلمين، فاختلّت صفوفهم، وتفرّق جمعهم نادى الرسول صلّى الله عليه وسلم: من يفديني؟ فخرج من الأنصار سبعة دافع كلّ واحد منهم عن الرسول، وما زال يقاتل دونه حتى قتل، وقد قتل لامرأة من الأنصار في هذه الحرب ثلاثة رجال من بيتها: أبوها، وأخوها، وزوجها، وتتابع إليها نعي الثلاثة واحدا بعد واحد، فكانت تسأل أولا عن الرسول صلّى الله عليه وسلم: كيف هو؟ فيقولون لها: إنّه سالم، ثم لما رأت وجهه صلّى الله عليه وسلم سرّي عنها، ولم تتمالك أن صاحت قائلة: «كلّ مصيبة بعدك جلل يا رسول الله!» «٢» .

إنّ الذين دافعوا عنه، وقتلوا دونه، وفدوه بأنفسهم قد عرفوه حقّ المعرفة، وعلموا سنته، وهديه، وخلقه، ولولا أنّ حياة الرسول صلّى الله عليه وسلم


(١) انظر الترجمة الأردوية، ص ٦٦- ٦٧، طبع برلين سنة ١٨٧٣ م.
(٢) سيرة ابن هشام، ص ٩٩.

<<  <   >  >>