وقال ابن منظور "الصوت: الجرس، معروف مذكر، فأما قول رويشد بن كثير الطائي: يا أيها الراكب المزجي مطيته.... البيت فإنما أنّثه لأنه أراد به الضوضاء والجلبة على معنى الصيحة أو الاستغاثة، قال ابن سيده: وهذا قبيح من الضرورة -أعني تأنيث المذكر- لأنه خروج عن أصل إلى فرع، وإنما المستجاز من ذلك ردّ التأنيث إلى التذكير؛ لأن التذكير هو الأصل، بدلالة أن الشيء مذكر، وهو يقع على المذكر والمؤنث؛ فعلم بهذا عموم التذكير وأنه هو الأصل الذي لا ينكر، ونظير هذا الشذوذ قوله وهو من أبيات الكتاب "كتاب سيبويه ١/ ٢٥": إذا بعض السنين تعرقتنا ... كفى الأيتام فقد أبي اليتيم قال: وهذا أسهل من تأنيث الصوت، لأن بعض السنين سنة، وهي مؤنثة وهي من لفظ السنين، وليس الصوت بعض الاستغاثة ولا من لفظها" ا. هـ. ونظير ذلك قول حاتم الطائي: أماوي قد طال التجنب والهجر ... وقد عذرتني في طلابكم العذر [٤٨٠] هذه قطعة من بيت، وهو بتمامه: أزيد بن مصبوح، فلو غيركم جنى ... غفرنا، وكانت من سجيتنا الغفر وقد أنشده بتمامه التبريزي في شرح القصائد العشر "ص١٤٢ ط السلفية" وأنشده عجزه ابن منظور "غ ف ر" ولم يعزواه والسجية -بفتح السين وكسر الجيم وتشديد الياء المثنّاه- الطبيعة والخليقة والخصلة، والغفر -بفتح فسكون- أحد مصادر "غفر ذنبه يغفره من مثال ضرب يضرب" ومغفرة، وغفرانا، وغفرًا -بضم الغين- وغفورا، وغفيرة، وغفيرا، وقد قال أعرابي يدعو ربه: أسألك الغفيرة، والناقة الغزيرة، والعزّ في العشيرة، فإنها عليك يسيرة. ومحل الاستشهاد من هذا البيت في هذا الموضع قوله "وكانت من سجيتنا الغفر" حيث أحلق تاء التأنيث بكان مع أن اسمها مذكر وهو قوله الغفر، وقد تقدم نظير ذلك في الشاهد رقم ٤٧٨ وذكرنا هناك أن العلماء يغتفرون مثل ذلك في كان إذا كان اسمها مذكرا وقد فصل بخبرها بينها وبين اسمها، وقد اختلف العلماء في تخريج العبارة التي في بيت الشاهد الذي معنا الآن، فمنهم من يسلك الطريق التي سلكها العلماء في الشواهد السابقة، فيذكر أنه أنّث هنا مراعاة للمعنى لأن الغفر يطلق عليه المغفرة والغفيرة، وكل منهما مؤنث اللفظ، ومنهم من يقول: إن خبر كان محذوف، وهو مؤنث، وأصل الكلام: وكانت الغفر سجية من سجيتنا، فلما كان الغفر مخبرًا عنه بالسجية كان مؤنثًا فلذلك أنّث الفعل، قال ابن منظور "فأما قوله: وكانت من سجيتنا الغفر فإنما أنّث الغفر لأنه في معنى المغفرة" ا. هـ. وقال التبريزي "زعم الكسائي أنه أنّث كانت لأنه أراد: كانت سجية من سجايانا الغفر، وقال الذي خالفه: بل بني على المغفرة، فلما انتهى إلى آخر البيت والمغفرة لا تصلح له، فقال الغفر، لأن الغفر والمغفرة مصدران" ا. هـ. قال الفرّاء: وكل قد ذهب مذهبًا، وقول الكسائي أشبه بمذهب العرب" ا. هـ.