للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

حتى إنهم كانوا إذا وصفوا إنسانًا بالبلاغة، قالوا: رجل صنع اللسان, ولسان صنع. قال الشاعر حسان بن ثابت:

أَهدى لَهُم مِدحَتي قَلبٌ يُؤازِرُهُ ... فيما أَرَادَ لِسانٌ حائِكٌ صَنَعُ١

ولا تقوم صناعة، إلا في مكان تتوفر فيه إمكانياتها من استقرار وأمن، ومن وجود حاجة إليها، ومن توفر المواد الأولية فيها، والمواد الخام اللازمة لها, ومعنى هذا وجود مكان حضري. أما البداوة، فحاجاتها إلى الإنتاج قليلة؛ لسذاجة الحياة وبساطتها فيها؛ ولهذا تكون الصناعة فيها بسيطة بساطة تتناسب مع بساطة ذلك المجتمع البدوي، ومع درجة بداوته؛ ولهذا تفاوتت مستويات الصناعة البدوية بتفاوت مستوى البداوة، وبتفاوت درجة حاجاتها إلى الأشياء. فالبداوة المنعزلة عن الحضارة، التي قلَّ اتصال أبنائها بالحضر وبالعالم الخارجي، وشحت خيراتها ومواردها الأولية، لا يمكن أن تظهر فيها صناعة متطورة، ولا يعقل نمو عمل مزدهر فيها؛ لانعدام الموارد الطبيعية المغذية للعامل وللسادة أصحاب المال، ولعدم وجود حاجة إليها مع تلك البداوة القانعة بالبساطة في الحياة. ومن هنا نجد أن الصناعة، لم تتطور، إلا في المجتمعات المتطورة التي توفرت فيها إمكانيات التصنيع، وشعرت بضرورة الاستفادة من الثروات الطبيعية المتوفرة لديها بتصنيعها، أي: بتحويلها إلى موارد أخرى يحتاج إليها، وتوفرت فيها الوسائل اللازمة لظهور الصناعة.

والمجتمعات البدوية مهما كانت من البداوة أو البدائية، فإنها لا تخلو من وجود صناعات بها؛ صناعات بدائية، هي من ناتج حاجات ذلك المجتمع، وناتجها يتناسب بالطبع مع حالة تلك البداوة. ولا يصح نفي وجود الصناعة بها.

وقد لعب الرقيق والموالي دورًا كبيرًا في أعمال الحرف والزراعة في جزيرة العرب, إذ استخدموا في التعدين وفي الزرع. وقد ذكر "الهمداني" أنه كان بمعدن "شمام" ألوف من المجوس الذين يعملون المعدن، حتى إنه كان لهم بيتا نار يعبدان في ذلك المكان٢, وذكر أنه كان بـ"جهران" قوم من وضيع


١ تاج العروس "٥/ ٤٢١"، "صنع".
٢ الصفة "١٤٩".

<<  <  ج: ص:  >  >>