بالْخبر قيل بلَى وَلَكِن الِاتِّبَاع هُوَ الدَّلِيل فان قيل فقد جعلتم للظن حظا فِي الِاتِّبَاع لأنكم لَو لم تظنوا صدق الرَّاوِي لم تعلمُوا بالْخبر الْجَواب ان الله تَعَالَى إِنَّمَا ذمّ من لم يتبع إِلَّا الظَّن بقوله {إِن يتبعُون إِلَّا الظَّن} فَلم يدْخل فِي ذَلِك من اتبع الدَّلِيل عِنْد الظَّن وَقَوله عقيب ذَلِك {إِن الظَّن لَا يُغني من الْحق شَيْئا} يُفِيد أَن مَا فَعَلُوهُ من أَنهم مَا يتبعُون إِلَّا الظَّن لَا يُغني من الْحق شَيْئا فَكَأَن الظَّن وَحده لَا يُغني من الْحق شَيْئا ويفيد أَيْضا أَن الظَّن للشَّيْء لَا يُفِيد أَن المظنون حق لَا محَالة وَكَذَلِكَ نقُول لأَنا إِذا ظننا صدق الرَّاوِي أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ كَذَا وَكَذَا لم يجب أَن يكون ذَلِك حَقًا لأَنا ظنناه على أَنا إِذا علمنَا وجوب الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد عِنْد ظننا صدقه فَالَّذِي أغْنى فِي الْحق هُوَ إِمَّا الدَّلِيل الدَّال على مُوجب خبر الْوَاحِد وَإِمَّا مَجْمُوع الدَّلِيل مَعَ الظَّن ومجموع الْأَمريْنِ لَيْسَ هُوَ الظَّن
وَمِنْهَا قَول الله تَعَالَى {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِن جَاءَكُم فَاسق بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تصيبوا قوما بِجَهَالَة فتصبحوا على مَا فَعلْتُمْ نادمين} قَالُوا وَالْحكم بِخَبَر الْعدْل عمل على جَهَالَة لتجويزنا كذبه فقد تساوى من هَذِه الْجِهَة الْعَمَل بِخَبَر الْفَاسِق فَحرم الْعَمَل بِهِ الْجَواب ان الْعَمَل بالجهالة عمل بالشَّيْء من غير طَرِيق يسوغ الْعَمَل بِهِ وَلِهَذَا لم يكن الْمُسَافِر عَاملا بِجَهَالَة إِذا سَافر بعد الفحص والمساءلة وَإِن جوز أَن يكون الْأَمر بِخِلَاف مَا أخبر بِهِ فان ادّعى الْمُسْتَدلّ أَن الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد عمل بِغَيْر طَرِيق يسوغ ذَلِك فقد بني أَحْكَامه على نفس الْمَسْأَلَة
وَمِنْهَا قَوْله عز وَجل {ثمَّ يحكم الله آيَاته} فَلَو كَانَ خبر الْوَاحِد دلَالَة وَكَانَ من آيَات الله لَكَانَ الله قد أحكمه وَلَو أحكمه لم يجز كَونه كذبا الْجَواب ان ذَلِك وَارِد عقيب قَول الله عز وَجل {وَمَا أرسلنَا من قبلك من رَسُول وَلَا نَبِي إِلَّا إِذا تمنى ألْقى الشَّيْطَان فِي أمْنِيته فَينْسَخ الله مَا يلقِي الشَّيْطَان ثمَّ يحكم الله آيَاته}