للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

- حديث الأعمى الذي صححه الترمذي ((أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله أن يدعو الله أن يرد بصره عليه، فأمره أن يتوضأ فيصلي ركعتين ويقول: اللهم إني أسألك، وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد، يا نبي الله، إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي لتقضيها، اللهم فشفعه في فدعا الله، فرد الله عليه بصره)) (١).

والجواب عن هذا أن يقال:

أولاً: لا ريب أن الله جعل على نفسه حقاً لعباده المؤمنين، كما قال تعالى: وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ [الروم: ٤٧] , وكما قال تعالى: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [الأنعام: ٥٤] وفي (الصحيحين): ((أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ بن جبل وهو رديفه: يا معاذ أتدري ما حق الله على عباده؟ قلت الله ورسوله أعلم. قال: حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً. أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ قلت الله ورسوله أعلم. قال: حقهم عليه أن لا يعذبهم)) (٢) فهذا حق وجب بكلماته التامة ووعده الصادق.

وقد اتفق العلماء على وجوب ما يجب بوعده الصادق، وتنازعوا: هل يوجب بنفسه على نفسه؟ على قولين. ومن جوز ذلك احتج بقوله سبحانه: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [الأنعام: ٥٤] , وبقوله في الحديث الصحيح: ((إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً)) (٣) والكلام على هذا مبسوط في موضع آخر. اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية– ٢/ ٧٨٤

- حديث أبي سعيد: ((أسألك بحق السائلين عليك، وبحق ممشاي هذا)) (٤) , فهذا الحديث رواه عطية العوفي، وفيه ضعف. لكن بتقدير ثبوته هو من هذا الباب، فإن حق السائلين عليه سبحانه، أن يجيبهم، وحق المطيعين له أن يثيبهم، فالسؤال له، والطاعة سبب لحصول إجابته وإثابته فهو من التوسل به، والتوجه به، والتسبب به، ولو قدر أنه قسم لكان قسما بما هو من صفاته لأن إجابته وإثابته من أفعاله وأقواله. فصار هذا كقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: ((أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك)). اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية– ٢/ ٧٩٦


(١) [٣٧٦٥])) رواه الترمذي (٣٥٧٨) وابن ماجه (١٣٨٥) والنسائي في ((السنن الكبرى)) (٦/ ١٦٩) (١٠٤٩٥) , وأحمد (٤/ ١٣٨) (١٧٢٧٩) والطبراني (٩/ ٣٠) وابن خزيمة في ((صحيحه)) (٢/ ٢٢٥) وعبد بن حميد (١/ ١٤٧) , قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه, وقال الشوكاني في ((تحفة الذاكرين)) (ص: ٢٣٠): إسناده صحيح, وصححه الألباني في ((صحيح سنن ابن ماجه)).
(٢) [٣٧٦٦])) رواه البخاري (٧٣٧٣) ومسلم (٣٠).
(٣) [٣٧٦٧])) رواه مسلم (٢٥٧٧) من حديث أبي ذر الغفاري رضي الله عنه.
(٤) [٣٧٦٨])) رواه ابن ماجه (٧٧٨) وأحمد (٣/ ٢١) (١١١٧٢) قال المنذري في ((الترغيب والترهيب)) (٢/ ٣٧٩): لم أره في شيء من الأصول التي جمعها أبو رزين, وقال ابن تيمية في ((الرد على البكري)) (١٢٢) في إسناده عطية العوفي وفيه ضعف, وضعفه الألباني في ((ضعيف ابن ماجه)).

<<  <  ج: ص:  >  >>