ساق الله تعالى خلق الإنسان هنا دليلا على البعث، وفى سورة: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ [المؤمنون: ١]، ساقه سبحانه دليلا على وجوده، فقال: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ [المؤمنون: ١٢]، إلى قوله: فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [المؤمنون: ١٤].
فخلق الإنسان فى أطواره المذكورة كما يصلح دليلا على وجود الخالق وتوحيده، يصلح أيضا دليلا على البعث كما يأتى:
فالآية تقول: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ [الحج: ٥]، أى شك وتهمة وحاجة إلى البيان، فتفكروا فى خلقتكم الأولى، لتعلموا أن القادر على خلقكم أولا قادر على خلقكم ثانيا.
ثم إنه ذكر مراتب الخلقة الأولى أمورا سبعة هى:
المرتبة الأولى: فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ [الحج: ٥]، أى أنشأناكم بقدرتنا التى لا يتعاظهما شىء، مِنْ تُرابٍ لم يسبق له اتصاف بالحياة. وفى الخلق من تراب وجهان:
أحدهما: إنا خلقنا أصلكم، وهو آدم، عليه السلام، من تراب، كما قال الله تعالى:
الثانى: من الأغذية، والأغذية إما حيوانية، وإما نباتية، وغذاء الحيوان ينتهى إلى النبات قطعا للتسلسل، والنبات إنما يتولد من الأرض والماء، فصح قوله: فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ [الحج: ٥].
المرتبة الثانية: ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ [الحج: ٥]، وحالها أبعد شىء عن حال التراب، فإنها بيضاء سائلة لزجة صافية، كما قال تعالى: مِنْ ماءٍ دافِقٍ [الطارق: ٦].