للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

ثُمَّ نَقُولُ: إِن العلماءَ يَقُولُونَ فِي مِثْلِ الدعاءِ وَالذِّكْرِ الْوَارِدِ عَلَى إِثْرِ الصَّلَاةِ: إِنه مُسْتَحَبٌّ، لَا سُنَّةٌ وَلَا وَاجِبٌ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَمرين:

أَحَدُهُمَا: أَن هَذِهِ الأَدعية لَمْ تكن منه عليه السلام عَلَى الدَّوَامِ.

وَالثَّانِي: أَنه لَمْ يَكُنْ يَجْهَرُ بِهَا دَائِمًا، وَلَا يُظْهِرُهَا لِلنَّاسِ فِي غَيْرِ مُوَاطِنِ التَّعْلِيمِ، إِذ لَوْ كَانَتْ عَلَى الدَّوَامِ وَعَلَى الإِظهار لَكَانَتْ سُنَّةً، وَلَمْ يسعِ العلماءَ أَن يقولوا فيها بغير السنة، إِذ خاصية السنة (١) ـ حَسْبَمَا ذَكَرُوهُ ـ: الدَّوَامُ والإِظهار فِي مَجَامِعِ النَّاسِ. وَلَا يُقَالُ: لَوْ كَانَ دُعَاؤُهُ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ ـ سِرًّا لَمْ يُؤْخَذْ عَنْهُ، لأَنا نَقُولُ: مَنْ كَانَتْ عَادَتُهُ الإِسرار فَلَا بُدَّ أَن يَظْهَرَ منه، أَو يظهر منه وَلَوْ مَرَّةً، إِما بِحُكْمِ الْعَادَةِ، وإِما (٢) بِقَصْدِ التَّنْبِيهِ عَلَى التَّشْرِيعِ.

فإِن قِيلَ: ظَوَاهِرُ الأَحاديث (٣) تدل على الدوام (٤)؛ بِقَوْلِ الرُّوَاةِ: "كَانَ يَفْعَلُ"، فإِنه يَدُلُّ عَلَى الدَّوَامِ؛ كَقَوْلِهِمْ: "كَانَ حَاتِمٌ يُكْرِمُ الضِّيفَانِ". قُلْنَا: ليس كذلك، بل تطلق (٥) على الدوام، وعلى الكثرة (٦) وَالتَّكْرَارِ عَلَى الْجُمْلَةِ، كَمَا جاءَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَهُوَ جُنُبٌ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ (٧).

وَرَوَتْ أَيْضًا أَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَنَامُ وَهُوَ جُنُبٌ من غير أَن يَمَسَّ ماء (٨).


(١) في (خ) و (م): " إذ خاصيته".
(٢) قوله: "وإما" ليس في (خ) و (م)، وعلق عليه رشيد رضا بقوله: يظهر أن في العبارة تحريفاً وحذفاً، ولعل الأصل: "فلا بدّ أن يظهر منه إِمَّا بِحُكْمِ الْعَادَةِ، وَإِمَّا بِقَصْدِ التَّنْبِيهِ عَلَى التشريع".اهـ.
(٣) في (ر) و (غ): "الحديث".
(٤) في (خ) و (م): "على أن الدوام".
(٥) كذا في (غ) و (ر)، وفي (خ) و (م): "يطلق"، والمثبت أصوب؛ لأن الضمير يعود على ظواهر الأحاديث التي يتكلم عنها المؤلف.
(٦) في (خ): "الكثير" وفي (م): "الكثر".
(٧) أخرجه البخاري (٢٨٦) ومسلم (٣٠٥).
(٨) أخرجه أبو داود (٢٢٨)، والترمذي (١١٨)، وابن ماجه (٥٨١ ـ ٥٨٣)، والنسائي في "الكبرى" (٩٠٥٢ ـ ٩٠٥٤) وغيرهم من طريق أبي إسحاق السبيعي، عن الأسود، عن عائشة، به.
وأعله يزيد بن هارون، وأحمد وغيرهما، يرون أنه غلط من أبي إسحاق. انظر تفصيل ذلك في "الإمام" لابن دقيق العيد (٣/ ٨٧).