للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

فإذا توقف بصرنا عند هذا الحد، فليجاوزه الخيال … فكل هذا العالم المرئي ليس إلا عنصراً لا يدرك في صدر الطبيعة العظيم. ولا يستطيع أي تفكير أن يمتد إلى هذا المدى … إنها كرة لانهائية مركزها في كل مكان، ومحيطها في غير مكان (٤٢). هذا أكثر مظهر قابل للإدراك من مظاهر قدرة الله، حتى أن خيالنا يتوه في هذا الخاطر".

ثم يضيف بسكال في سطر شهير مطبوع بحساسيته الفلسفية، "أن الصمت الأبدي الذي يلف هذا الفضاء اللانهائي يخيفني (٤٣) ".

ولكن هناك لانهائية أخرى- وتلك هي لانهائية صغر الذرة "التي لا تقبل الانشطار، وقبولها النظري للانقسام قبولاً لا حد له، فمهما كانت ضآلة الحد الأدنى الذي نختزل به أي شيء، فإننا لا نملك إلا الاعتقاد بأنه هو أيضاً له أجزاء أصغر منه. وعقلنا يتذبذب في حيرة وارتياع بين الشاسع غير المحدود، والدقيق غير المحدود.

"إن من يتأمل نفسه على هذا النحو تخيفه نفسه، وإذا أدرك أنه معلق … بين هاويتين اللانهائية والعدم، ارتعد فرقاً … وبات أميل إلى تأمل هذه العجائب في صمت منه إلى ارتيادها بغرور. فما الإنسان في الطبيعة، بعد كل شيء … ؟ إنه العدم إذا قيس بغير المحدود، وهو كل شيء إذا قيس بالعدم، إنه وسط العدم والكل. وهو بعيد كل البعد عن إدراك الطرفين، فنهاية الأشياء وبدايتها أو أصلها، يلقهما سر لا سبيل إلى استكناهه، وهو عاجز على السوء عند رؤية العدم الذي أخذ منه، واللانهائي الذي يغمره (٤٤) (١).


(١) يقول سانت ييف "ليس في اللغة الفرنسية صفحات أروع من الخطوط البسيطة الصارمة التي تحتويها هذه الصورة التي لا نظير لها" (٤٥).