للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وهذا كله بعد أن فرغت الكلاب والقطط والوحوش والطيور. وقد تناهي سعر القمح في السنة الثالثة إلى مائة دينار كل أردب … ولا يوجد.

ثم جاء عقيب ذلك فناء عظيم حتى مات من أهل مصر نحو الثلثين.

قال أبو شامة المؤرخ إن الملك العادل أبا بكر ابن أيوب كفن من ماله في مدة يسيرة ممن مات من الغرباء نحو مائتين وعشرين ألف إنسان، غير من مات من أهل المدينة فلم يحص لهم عدد حتى قيل كان النيل إذا طلع لم يجد من يزرع الأراضي، فكانت الترك تخرج بنفسها يحرثون ويزرعون بأيديهم، ويبذرون في الأرض الغلال لعدم وجود الفلاحين.

وقيل فقد من الأطباء في تلك السنة جماعة كثيرة … يدعونهم إلى المريض فإذا حصلوا عندهم في الدار يذبحونهم ويأكلونهم. وكذلك النساء الغواسل … يدعونهن إلى الأموات فيذبحونهن ويأكلونهن، حتى قيل إن رجلا استدعى بطبيب فلما مضى معه الطبيب جعل ذلك الرجل يكثر من ذكر الله تعالى بطول الطريق، فسكن روع ذلك الطبيب بعد ما كان على وجل، فلما وصلا إلى الدار فإذا هي دار خربة، فارتاع ذلك الطبيب فخرج إليه رجل من الخربة وقال للرجل الذي جاء بالطبيب: "وهل مع هذا البطء العظيم جئت إلينا بصيد؟ ". .. فلما سمع الطبيب ذلك ولى هاربا، وما خلص إلا بعد جهد عظيم.

واستمر الأمر على ذلك مدة ثم سكن الحال، وتراجع الأمر قليلا قليلا، وظهرت الغلال، وانحط سعر القمح حتى صار مرميا لا يجد من يشتريه، وتراجع سعر كل شيء، وانصلح الوقت وطاب، ورجع الماء إلى مجاريه فكان كما قيل في المعنى:

إذا ما رماك الدهر يوما بنكبة … فهيئ لها صبرا وأوسع لها صدرا

فإن تصاريف الزمان كثيرة … فيوما ترى عسرا ويوما ترى يسرا

ثم ان الملك العادل استمر في السلطنة بمصر حتى خرج إلى نحو الشام لتفقد الأحوال، فمرض هناك ومات ودفن بدمشق، فكانت وفاته في جمادي الآخرة سنة خمس عشرة وستمائة، وكانت مدة سلطنته بمصر ثماني عشرة سنة وتسعة أشهر.

وكان العادل هذا رجلا طويلا جسيما، مدور الوجه، شرها في الأكل، يأكل الخروف وحده وكان يحب من يأكل معه مثل أكله.

ولما مات الملك العادل خلف من الأولاد ثلاثة، وهم:

الملك محمد الكامل، فاستمر بعد أبيه العادل على مملكة الديار المصرية.

<<  <  ج: ص:  >  >>