للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ولما أن تولى العاضد استمر الصالح وزيرا، فأقام على ذلك مدة ومات، فتولى عوضه في الوزارة شاور بن مجير السعدي.

ومن الحوادث في أيام العاضد أن الفرنج استولوا على الديار المصرية ودخلوا بمراكبهم إلى بحر النيل ونزلوا على مدينة الفسطاط التي تقدم ذكرها لأنها كانت بالقرب من بركة الحبش من الرصد، فأحاطت عساكر الفرنج بمدينة الفسطاط، وأشرفوا على أخذها، وكان ملك الفرنج يسمى مرى، وكان معه نحو سبعين مركبا مشحونة بالمقاتلين، فلما رأى الخليفة العاضد عين الغلب، وصار الفرنج يأسرون جماعة من المسلمين وينهبون أموالهم، وقرروا على أهل مصر والقاهرة أموالا جزيلة، وأخذوا في أسباب جبايتها … فعند ذلك أشار الوزير على الخليفة بحرق مدينة الفسطاط خوفا من الفرنج أن يملكوها، فأذن له الخليفة في حرقها، فجمع الوزير العبيد وأحرقوها. وكانت هذه المدينة من أجل المدائن، وقد أنشأها عمرو بن العاص في مبتدأ الإسلام عند فتح مصر، وقد تقدم ذكر ذلك عند فتوح مصر. فلما قدم المعز من الغرب وبنى القاهرة تلاشى أمر مدينة الفسطاط.

وكانت القاهرة في غاية العمارة والتحصين، فلما أحرقت مدينة الفسطاط تحول الناس إلى القاهرة قيل بلغ كراء الجمل من مدينة الفسطاط إلى القاهرة عشرة دنانير كل نقلة، وصارت النار عمالة في مدينة الفسطاط واحدا وخمسين يوما حتى صار الدخان يرى من مسيرة ثلاثة أيام، فلما رأى الفرنج ذلك خافوا ورحلوا عن مصر.

قال عبد الله بن عبد الحكم: "وكان ذلك سببا لخراب مدينة الفسطاط، وصارت من يومئذ كيمانا يوجد فيها الأعمدة الرخام الأبيض إلى الآن. وكان أولها من حدرة ابن قميحة وآخرها عند الرصد، وكان حرقها وخرابها في سنة أربع وستين وخمسمائة".

وقال ابن المتوج إن الخليفة العاضد لما استولى مرى ملك الفرنج على مصر أرسل العاضد إلى الملك العادل نور الدين الشهيد صاحب دمشق بأن يرسل إلى أهل مصر نجدة ويدركهم قبل أن تملك الفرنج المدينة، فأرسل نور الدين الشهيد إلى مصر صلاح الدين يوسف بن أيوب هو وأخوته، فلما قدموا إلى مصر تسامع بهم الفرنج فرحلوا عن مصر.

ولما رحلوا قويت شوكة بني أيوب بمصر، فخاف منهم العاضد، فخلع الوزير اشور بن مجير الدين السعدي من الوزارة، وولي أسد الدين شيركوه أخا أيوب عم صلاح الدين يوسف عوضا عن السعدي.

ثم أن أسد الدين صلب الوزير ابن مجير الدين السعدي على باب القاهرة لكونه أشار بحرق مدينة الفسطاط، ثم أن أسد الدين لما تم أمره في الوزارة تلقب بالمنصور - وكانت

<<  <  ج: ص:  >  >>