للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وفي أيامه وقع الغلاء بمصر، وتناهى سعر القمح إلى ثلاثين دينارا ثمن الأردب الواحد، فأقام الأمر على ذلك نحو ستة أشهر، وتراجع الأمر قليلا قليلا، وانحط سعر القمح عن ذلك القدر، وكثرت الغلال في العرصات.

وكان القائم بتدبير أمور الديار المصرية المأمون البطايحي الوزير، فساس الناس في هذه الغلوة أحسن سياسة، ولم يحصل في الديار المصرية من الاضطراب كما حصل في أيام المستنصر مما تقدم ذكره.

قيل: هجم رجل في زمان الغلاء على بعض المغاربة وهو يأكل في رغيف، فلما رآه ستر الرغيف منه، فقال له ذلك الرجل:" أما سمعت الحديث: طعام واحد يكفي اثنين؟ "فقال له المغربي:" ذلك في ضوء السراج … إذا كان لواحد يكفي جماعة. وأما في هذا الرغيف فلا أطعمك منه لقمة ". فمضى عنه الرجل ولم يطعمه شيئا.

وسبب هذا الغلاء أن النيل بلغ في الزيادة إلى خمسة عشر ذراعا واصبعا ثم هبط، فشرقت البلاد، وحصل للناس الضرر الشامل، ورسم الخليفة للبطرك بأن يتوجه إلى بلاد الحبشة بسبب توقف النيل، ولم يفد توجه البطرك شيئا.

وفي سنة اثنتي عشرة وخمسمائة ابتدأ الآمر بأحكام الله في عمارة جامعه الذي بناه عند سوق مرجوش المسمى بجامع الأقمر، وأنفق على بنائه مائتي ألف دينار، وكان له صهريج يمتلئ من مسارب الخليج الحاكمي.

وفي سنة تسع عشرة وخمسمائة قبض الآمر على الوزير المأمون البطايحي، وقتله ثم صلبه واحتاط على موجوده، فظهر له من الأموال ما لا يحصى، فمن ذلك مائة صندوق ما بين ذهب عين ودراهم فضة وجواهر فاخرة، ووجد عنده مائة بكرنية مملوءة من الكافور العنصوري، وهذا الصنف عزيز الوجود. ووجد عنده ثلثمائة صندوق فيها قماش جسمه ما بين حرير وصوف ودق تنيس ودمياط، ووجد عنده من العود القماري مائة من وأشياء كثيرة لا تنحصر، فحمل ذلك إلى قصر الخلافة.

فلما قتل الآمر الوزير البطايحي لم يقم بعده إلا مدة بسيرة وقتل الآخر. وكان سبب قتله أنه توجه إلى بر الروضة على سبيل التنزه، فأقام هناك يوما وليلة، فلما رجع إلى القاهرة مر على جسر الروضة الذي كان بالقرب من الجزيرة الوسطى، فلما عبر الجسر وثب عليه جماعة من العبيد السود فضربوه بالسكاكين تحت الليل - وكان سكران - فوقع عن فرسه فحملوه إلى القاهرة وطلعوا به إلى قصره فمات من وقته، فكانت وفاته في ليلة الثلاثاء العشرين من ذي القعدة سنة أربع وعشرين وخمسمائة من الهجرة، وكانت مدة

<<  <  ج: ص:  >  >>