للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ثم أن السلطان رحل من الريدانية وقصد التوجه إلى الشام. فلما رحل السلطان عن القاهرة عرض نائب الغيبة أولاد الناس أجناد الحلقة وعين منهم نحو مائتي إنسان بأن يتوجهوا نحو الصعيد، ويقيموا عند الكاشف بسبب فساد العربان، ثم بعد مدة أيام حضر الأمير سودون الطيار على خيل البريد وعلى يده مثالات شريفة إلى الأمراء الذين بالقاهرة، فكان من مضمونها أن السلطان لما وصل إلى الشام هرب منطاش من وجهه إلى بلاد التركمان. فلما سمع الأمراء بذلك دقوا الكئوسات ونادوا بالزينة، فزينت القاهرة سبعة أيام

قيل لما دخل السلطان إلى دمشق خاف أهل دمشق وهموا بالهرب من المدينة، وقد تقدم أن أهل دمشق لما خرج الملك الظاهر برقوق من الكرك ودخل إلى الشام رجموه وأخرجوه من الشام هاربا على وجهه، ونهبوا بركه وقماشه كما تقدم. فلما أن دخل إليهم هذه المرة، وبلغه أنهم خائفون منه، نادى لهم بالأمان والاطمئنان والبيع والشراء، وأن الماضي لا يعاد، ونحن أولاد اليوم … فضج أهل دمشق له بالدعاء، وسكن ما كان عندهم من الاضطراب.

ثم أن السلطان أقام في دمشق أياما وتوجه إلى حلب. فلما خرج من دمشق جاء نعير بن حيار أمير آل فضل ونهب ضياع دمشق - وكان نعير عاصبا على السلطان وهو ملتف على منطاش - وأخرب غالب البلاد الشامية ونهب ضياعها فلما بلغ نائب الشام مجيء نعير خرج إليه وأوقع معه واقعة قوية في مكان يسمى الكسوة، فانكسر نائب الشام وقتل من عسكر دمشق نحو خمسة عشر أميرا، ثم رجع نعير إلى بلاده، ورجع نائب الشام إلى دمشق.

ثم بعد مدة جاءت الأخبار من حلب بأن السلطان قد قبض على يلبغا الناصري وعلى جماعة من الأمراء وسجنهم بقلعة حلب ثم قتلهم عن آخرهم، وكانوا نحو ثلاثة وعشرين أميرا. وكان سبب ذلك أن الأمير سالم الدوكارى أمير التركمان أرسل يعرف السلطان بأن يلبغا الناصري أرسل إليه كتابا وهو يقول فيه: "خذ منطاش واهرب به إلى بلاد الروم، فانه ما دام منطاش موجودا فنحن موجودون". ..

ثم أن الأمير سالم الدوكاري أرسل كتاب يلبغا الناصري على يد قاصده، فلما تحقق السلطان صحة ذلك طلب الأمراء، فلما حضروا قرأ عليهم كتاب يلبغا الناصري الذي أرسله إلى الأمير سالم الدوكاري. ثم أن السلطان وبخ يلبغا الناصري بالكلام في ذلك المجلس، فلم ينطق بحجة وانعقد لسانه عن الكلام، فنعوذ بالله من زلة العقل كما قيل:

وانى رأيت المرء يشقى بعقله … كما كان قبل اليوم يسعد بالعقل

<<  <  ج: ص:  >  >>