الترتيب الحسن، ورتب شرب السكر بعد السماط في القصر والأمراء مجتمعون، ورتب وقوف الأمراء في المواكب على قدر منازلهم وكذلك أرباب الوظائف من المتعممين، وقد طالت أيامه في السلطنة - بخلاف من تقدمه من الملوك - وصفا له الوقت، وصار غالب الأمراء والنواب مماليكه ومماليك والده قلاون، ولا يعلم لأحد من الملوك آثار مثله ومثل مماليكه، حتى قيل قد تزايدت في أيامه الديار المصرية والبلاد الشامية في العمائر مقدار النصف من جوامع وقناطر وجسور وغير ذلك من العمائر والإنشاء.
قال الشيخ سيف الدين أبو بكر بن أسد في تاريخه:"لقد وقفت على تاريخ الملوك السالفة، فما سمعت لأحد من الملوك بما للملك الناصر محمد بن قلاون من المواقع الحسنة. فانه خطب له في أماكن لم يخطب فيها لأحد من الملوك، وكاتبه سائر الملوك من مسلم وكافر، وهادوه وهابوه، وصار جميع عسكر مصر في قبضته من كبير وصغير".
وفيه يقول الشيخ صفي الدين الحلي:
الناصر السلطان قد خضعت له … كل الملوك … مشارقا ومغاربا
ملك يرى تعب المكارم راحة … وبعد راحات الفراغ متاعبا
ترجى مكارمه ويخشى بطشه … مثل الزمان … مسالما ومحاربا
فإذا سطا، ملأ القلوب مهابة … وإذا سخا، ملأ العيون مواهبا
ولم يزل الملك الناصر قائما على سرير ملكه حتى مرض وسلسل في المرض ومات على فراشه في ليلة الخميس العشرين من ذي الحجة سنة احدى وأربعين وسبعمائة. ومات وله من العمر ثمان وخمسون سنة، ودفن في يوم الخميس المذكور على والده قلاون داخل القبة التي أنشأها قلاون بين القصرين. وكانت له جنازة مشهودة، وكثر عليه الأسف والحزن من الناس.
وقد رثاه بعض الشعراء ﵀ بهذه الأبيات:
حكم المنية في البرية جاري … ما هذه الدنيا بدار قرار