ثم ان الأمير كتبغا رسم بأن يطوفوا برأس الشجاعي في مصر والقاهرة، فطافوا بها وهي على رمح، والمشاعلية تنادي عليها، وكان اكثر الناس من أهل مصر والقاهرة يكرهون سنجرا الشجاعي، فصاروا يعطون المشاعلية شيئا من الفضة ويأخذون منهم الرأس ويدخلون بها إلى دارهم، ولا يزالون يصفعونها بالقباقيب والنعال حتى يشتفوا منه، وطافوا بها في الحارات والأزقة حتى طافوا بها في حارات زويلة، وصار اليهود يدخلون بها إلى بيوتهم، ولم يزالوا يصفعونها بالنعال حتى اشتفوا منها، وربما كانوا يبولون عليها، فأقاموا على ذلك ثلاثة أيام متوالية حتى قيل كان مع المشاعلية برنية خضراء يحصلون فيها الفضة التي تدخل عليهم من الناس، فقيل أنهم ملأوا البرنية ثلاث مرات فضة … ولم يسمع بمثل هذه الواقعة فيما تقدم من الوقائع، وهي من الغرائب.
قيل كان سنجر الشجاعي هذا رجلا طويلا عريضا، كامل الخلقة، ابيض اللون، أشقر اللحية، مهيب الشكل، قاسي القلب، مظلم الصورة، عسوفا كثير الأذى، إذا ظفر بأحد لا يرحمه، ولا يراعي في الأنام خليلا … فلما أن قتل لم يرث له أحد من الناس فكان كما قال القائل:
لا تفعل الشر فتسمى به … وافعل الخير تجاز عليه
اما ترى الحية من شرها … يقتلها من لا تؤاسي عليه
فلما قتل الشجاعي وخمدت الفتنة، طلع الأمراء عند السلطان وجمعوا المماليك البرجية، وكانوا يسكنون في ابراج القلعة، فرسم الأمير كتبغا بأن ينزلوا من القلعة ويسكنوا في الأبراج التي في سور القاهرة خلف البرقية، فسكنوا بها - وكانوا نحو أربعة آلاف وسبعمائة مملوك - فرتب لهم الأمير كتبغا ما يكفيهم في كل يوم، وشرط عليهم أنهم لا يركبون ولا يخرجون من الأبراج.
ثم أن الأمير كتبغا قبض على جماعة من الأمراء الذين كانوا من عصبة الشجاعي، وهم: الأمير بيبرس الجاشنكير أستادار العالية، وقبض على الأمير اللقاني أمير أخور كبير، وقيدهم وأرسلهم إلى السجن بثغر الاسكندرية، ثم افرج عن جماعة من الأمراء الذين كانوا مسجونين بالثغر المذكور، وهم: الأمير قفجق السلحدار، والأمير عبد الله حامل الخبر، والأمير قرمش، والأمير بوري، والأمير لاجين جركس، والأمير مغلطاي المسعودي، والأمير كردي الساقي والأمير عمر شاه السلحدار … فلما حضروا خلع عليهم وأعادهم إلى وظائفهم واقطاعاتهم.