القاهرة قال له التجار إن مملوكك بيليك الذي بعته للملك الظاهر بيبرس قد صار عزيز مصر، وأقبلت عليه الدنيا، فلو أنك تدخل إليه وتذكر له حالك وما صرت إليه من الفقر فعسى ينعم عليك بشيء من الدنيا تستعين به على جور الزمان … فكتب قصته ورفعها إلى الأمير بيليك، وكان من مضمون تلك القصة هذان البيتان:
قد صرت، من بعد عز، في الهوان وقد … جار الزمان بضيق نلت منه أذى
والآن أقبلت الدنيا عليك كما … ترضى: فلا تنسني … إن الكرام إذا
فلما قرأها الأمير بيليك قال:"من رفع هذه القصة؟ ". فقيل له:"هذا التاجر الذي باعك للسلطان". .. فلما رآه قام إليه واعتنقه وأجلسه إلى جانبه، فشكا إليه التاجر ما قد جنى عليه الزمان بجوره، فأنعم عليه الأمير بيليك بعشرة آلاف دينار وخلعة وفرس.
ومن هنا نرجع إلى أخبار الملك الظاهر بيبرس. فلما تم أمره في السلطنة رسم بإحضار المماليك البحرية الذين كانوا منفيين في البلاد، ثم أرسل عدة مكاتبات إلى سائر من في البلاد من النواب وأخبرهم بما قد جدد الله تعالى له من الملك، وطلب منهم بذل الطاعة، فأجابوه بالسمع والطاعة.
ثم أن الملك الظاهر لما ثبت في السلطنة أراد أخذ خواطر الرعية بالأفعال المرضية، ليمحو ما جناه من السيئات، وتعود مكانها الحسنات … فأبطل جميع ما كان أحدثه الملك المظفر قطز من أبواب المظالم عند خروجه إلى تجريدة التتار، وكتب به مساميح، وقرئت على منابر مصر والقاهرة، فطابت إليه نفوس الرعية، وضجوا له بالأدعية السنية، فطابت به مصر ورق الهواء، ومشى الذئب والشاة سواء. وفيه يقول بعض الشعراء من أبيات:
لم يبق للجور في أيامكم أثر … إلا الذي في عيون الغيد من حور
وفي هذه السنة جاءت الأخبار من دمشق بأن نائب الشام سنجر الحلبي الذي كان الملك المظفر قطز ولاه نيابة الشام قد خرج عن الطاعة، وأظهر العصيان، وجمع أمراء دمشق وقبلوا له الأرض، وركب في دمشق بشعار السلطنة وتلقب بالملك المجاهد، وكتب بذلك إلى سائر أعمال البلاد الشامية، وخطب باسمه على منابر دمشق وأعمالها.
وكان الأمير علم الدين سنجر الحلبي هذا، لما ثقل أمره على الناس في دولة الملك المنصور على ابن أيبك التركماني، قبض عليه الملك المظفر قطز قبل أن يلي السلطنة وسجنه مدة في الاسكندرية، ثم أفرج عنه واستقربه نائب الشام. فما قتل الملك المظفر