وأقام بها إلى أن تكامل العسكر، ثم رحل من الصالحية، وجدّ في السير إلى أن وصل إلى عين جالوت من أرض كنعان، فتلاقى هناك عسكر هلاو وعسكر السلطان قطز، فكانت بينهما ساعة تشيب فيها النواصي، وقتل من الفريقين ما لا يحصى عدده، فكانت الكسرة على التتار، فكسروهم وشتتوهم إلى بيسان، وكان ذلك في يوم الجمعة الخامس والعشرين من شهر رمضان من السنة المذكورة.
ثم وقعت بينهما وقعة ثانية على بيسان أعظم من الأولى، فقتل من التتار نحو النصف، وغنم عسكر السلطان منهم غنيمة عظيمة من خيول وسلاح وغير ذلك.
فلما جرى ذلك توجه السلطان قطز إلى نحو الشام، فدخلها في موكب عظيم، وجلس للحكم، فخلع على الأمير سنجر الحلبي واستقر به نائب الشام، وخلع على الأمير علاء الدين ابن صاحب الموصل واستقر به نائبا، ثم أنه أخذ في أسباب استخلاص البلاد الشامية من أيدي أولاد بني أيوب - وكان غالبها في أيديهم - فمهد البلاد الشامية والحلبية وولى من يختار من عصبته من الأمراء.
ثم بعد ذلك قصد التوجه نحو الديار المصرية، فلما خرج من دمشق ووصل إلى قريب من أرض الصالحية، اتفق الأمراء على قتله فكان كما قيل في الأمثال:
لا تغترر بالحفظ والسلامة … فإنما الحياة كالمدامة
والعمر مثل الكأس والدهر القدر … والصفو لا بد له من الكدر
وكان المشار إليه في ذلك الوقت من الأمراء الأمير ركن الدين بيبرس البندقداري. فلما وصل السلطان قطز إلى القرين، ركب السلطان في الفضاء، فرأى أرنبا فساق خلفه وساق معه الأمراء - وكان فيهم الأمير بيبرس البندقداري - فلما ساق دنا منه الأمير بيبرس ليقبل يده - وكان السلطان قطز قد أنعم عليه بجارية مليحة من سبايا التتر - فظن قطز أنه جاء يقبل يده بسبب ذلك. فلما مد يده إليه قبض عليه وضربه بالسيف، وحمل عليه بقية الأمراء بالسيوف فقتلوه وتركوه ميتا ملقى على الأرض، ثم ساقوا وهم شاهرون سيوفهم إلى أن وصولا إلى الوطاق، فجلس الأمير بيبرس على مرتبة السلطان قطز، وأخذ المملكة بالقوة، فشق ذلك على جماعة من المماليك الأمراء لكون السلطان قطز قتل من غير ذنب، وكان خيار ملوك الترك، وله اليد البيضاء في قيامه لدفع التتار عن البلاد الشامية وقد أشرفوا على الدخول إلى الديار المصرية.