الروم وقالت لهم: إذا دخل إلى الحمام فاقتلوه. فلما طلع إلى القلعة اصطلح مع شجرة الدر وتراضيا ثم دخل إلى الحمام، فلما صار هو وشجرة الدر بها دخل عليه أولئك الخدام وبأيديهم السيوف، فقام أيبك وقبل شجرة الدر واستغاث بها، فقالت للخدام: "أتركوه". ..
فأغلظ عليها بعض الخدام في القول، وقال لها: "إن تركناه حيا فلا يبقى عليك ولا علينا". ..
فقتلوه في الحمام خنقا، وقيل ربطوا محاشمه بوتر وجذبوه حتى مات. فلما مات حملوه وأخرجوه من الحمام وأشاعوا أنه قد أغمى عليه من الحمام فوضعوه على فراش الحمام، وكان ذلك في ليلة سنة ست وخمسين وستمائة (١٢٥٨ م).
فلما أصبح الصباح أشاعوا قتله بين الناس، فركب ابنه الأمير علي والمماليك المعزية، فلما طلعوا إلى القلعة وتحققوا قتله شرعوا في تجهيزه فغسلوه وكفنوه وصلوا عليه ودفنوه في القرافة. ثم قبض ابنه على شجرة الدر، وسلمها إلى امه فأمرت جواريها أن يقتلنها بالقباقيب والنعال، فضربنها بها حتى ماتت وفارقت الدنيا … فكانت كما قيل في الأمثال:
واقنع إذا حاربت بالسلامة … واحذر فعالا توجب الندامة
فالتاجر الكيس في التجارة … من خاف في متجرة الخسارة
فلما ماتت شجرة الدر سحبوها من رجلها ورموها من فوق السور إلى خندق وهي عريانة، فأقامت وهي مرمية في الخندق ثلاثة أيام لم تدفن حتى قيل أن بعض الحرافيش نزل إلى الخندق تحت الليل وقطع دكة لباسها لأنها كانت من حرير أحمر، وفيها كرة من لؤلؤ، ونافجة مسك … فسبحان من يعز ويذل كما قيل في المعنى:
لقد هزلت حتى بدأ من هزالها … كلاها وحتى سامها كل مفلس
ثم بعد ثلاثة أيام حملت ودفنت بتربتها التي بطريق السيدة نفيسة بجوار بيت الخلفاء.
وكانت شجرة الدر أصلها من جواري الملك الصالح نجم الدين أيوب، اشتراها في أيام أبيه الملك الكامل محمد فحظيت عنده واستولد منها ابنه خليلا ثم اعتقها وتزوج بها، وكانت معه في البلاد الشامية مدة طويلة لما كان مستوليا على الشام، فلما قدم إلى الديار المصرية وتسلطن، عظمت شجرة الدر في دولة استاذها الملك الصالح، وصارت تدبر أمور المملكة عند غياب الملك الصالح في الغزوات.
وكانت ذات عقل وحزم، كاتبة قارئة، لها معرفة تامة بأحوال المملكة، وقد نالت من العز والرفعة ما لم تنله امرأة قبلها ولا بعدها، وقد أقامت في السلطنة نحو ثلاثة أشهر،