للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

عزَّ وجلَّ: {فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ} [النساء: ١١]، ونحوِ ذلك: أَنَّهُ شيءٌ أوْجَبهُ، وقدَّرهُ، وقَضَى به، وقال الجميعُ للشَّيءِ الذي أوْجَبهُ الله: هذا فرضٌ.

وما أوجَبهُ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، فعَنِ الله أوجَبهُ، وقد فرضَ اللهُ طاعَتهُ، وحذَّرَ عن مُخالفتِهِ، ففرضُ الله، وفَرْضُ رسُولِهِ سَواءٌ، إلّا أن يقومَ الدَّليلُ على الفَرْقِ بين شيءٍ من ذلكَ، فيُسلَّمَ حينَئذٍ للدَّليلِ الذي لا مدفَعَ فيه، وباللّه التَّوفيقُ.

والقولُ بوُجُوبِها من جِهةِ اتِّباع سبيلِ المُؤمِنينَ واجِبٌ أيضًا؛ لأنَّ القولَ بأنَّها غيرُ واجِبةٍ شُذُوذٌ، أو ضربٌ من الشُّذُوذِ.

ولعلَّ جاهِلًا أن يقولَ: إنَّ زَكاةَ الفِطْرِ لو كانت فَرِيضةً، لكَفَرَ من قال: إنَّها ليست بفَرْضٍ، كما لو قال في زَكاةِ المالِ المفرُوضةِ، أو في الصَّلاةِ المفرُوضةِ: إنَّها لَيْست بفَرْض: كَفَرَ.

فالجوابُ عن هذا ومِثلِهِ: أنَّ ما ثبتَ فرضُهُ من جِهَةِ الإجماع، الذي يَقْطعُ العُذرَ، كُفِّرَ دافعُهُ؛ لأنَّهُ لا عُذرَ لهُ (١).

وكلُّ فَرْضٍ ثبتَ بدليل، لم يُكَفَّر صاحِبُهُ، ولكِنَّهُ يُجهَّلُ ويُخطَّأُ، فإن تمادَى بعدَ البيانِ (٢) هُجِرَ، وإن لم يَبِن لهُ عُذرٌ بالتَّأويلِ.

ألا تَرَى أنَّهُ قد قامَ الدَّليلُ الواضِحُ على تحريم المُسْكِرِ، ولسنا نُكفِّرُ من قالَ بتَحْليلِهِ؟ وقد قامَ الدَّليلُ على تحريم نِكاح المُتْعةِ، ونكاح المُحْرم (٣)، ونِكاح السِّرِّ، والصلاةِ بغيرِ قِراءةٍ، وبيع الدِّرْهم بالدِّرهمينِ يدًا بيدٍ، إلى أشياءَ يطُولُ ذِكرُها من فَرائضِ الصلاةِ، والزَّكاةِ، والحَجِّ، وسائرِ الأحْكام، ولَسْنا


(١) بعد هذا في بعض النسخ: "فيه"، ولم ترد في الأصل، والعبارة من غيرها مستقيمة.
(٢) بعده في بعض النسخ: "له"، ولم ترد في الأصل، والعبارة مستقيمة.
(٣) قوله: "ونكاح المحرم" سقط من م.

<<  <  ج: ص:  >  >>