للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وَسْطَ الناسِ، فقال: يا رسولَ الله، أرأيتَ رجلًا وجَدَ مع امرأتِه رجلًا، أيقتُلُه فتَقتُلُونه، أم كيف يفعَلُ؟

وفيه أنَّ المُلاعَنةَ لا تكونُ إلّا عندَ السلطانِ، وأنَّها ليست كالطلاقِ الذي للرَّجلِ أن يُوقِعَه حيثُ أحَبَّ، وهذا ما لا خِلافَ فيه. وكذلك لا يختَلِفُونَ أنَّ اللَّعانَ لا يكونُ إلّا في المسجدِ الذي تُجمَّعُ فيه الجمعةُ؛ لأنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- لاعَنَ بينَ المُتلاعِنَينِ المذكُورَينِ في المسجدِ، ذكَر ذلك ابنُ مسعُودٍ وغيرُه في حديثِ اللِّعَانِ. وقد ذكرنا حديثَ ابنِ مسعودٍ وغيرِه، في بابِ نافِع، عن ابنِ عُمَرَ مِن كتابِنا هذا (١). واستَحَبَّ جماعَةٌ مِن أهلِ العِلْم أن يكونَ اللِّعانُ في الجامِع بعدَ العَصْرِ، وفي أيِّ وقْتٍ كان في المسجِدِ الجامِع أجْزَأ عندَهم.

وفيه دليلٌ على أنَّ للعالِم أن يُؤخِّرَ الجوابَ إذا لم يَحْضُرْه ورجاه فيما بعدُ.

وفيه أنَّ القرآنَ لم يَنْزِلْ جُمْلَةً واحدةً إلى الأرض، وإنَّما كان يَنزِلُ به جبريلُ عليه السلامُ سورةً سورةً، وآيةً آيةً، على حسَبِ حاجَةِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- إليه. وأمَّا نُزولُ القرآنِ إلى سماءِ الدنيا، فنَزل كُلُّه جُملَةً واحدةً، على ما رُويَ عن ابنِ عباسٍ وغيرِه في تفسيرِ قولِ الله عزَّ وجلَّ: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ} [الدخان: ٣]. قالوا: ليلَةُ القدر، نزَلَ فيها القرآنُ جملَةً واحدةً إلى سَماءِ الدنيا (٢).

وفيه أنَّ المتلاعِنَينِ يتَلاعَنانِ بحَضْرَةِ الحاكِم، خَلِيفَةً كان أو غيرَه.

وفي قوله: "أرأيتَ رجلًا وجَد مع امرأتِه رجلًا" دليلٌ على أنَّ الملاعَنةَ تجبُ بينَ كُلِّ زَوجَينِ؛ لأنَّه لم يَخُصَّ رجلًا مِن رجلٍ، ولا امرأةً مِن امرأةٍ، ونَزلت آيةُ اللِّعانِ


(١) سيأتي تخريج حديث ابن مسعود في سياق شرحه للحديث السادس والأربعين من أحاديث مالك عن نافع عن ابن عمر في موضعه إن شاء الله تعالى.
(٢) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره ٢٤/ ٥٣١ - ٥٣٣ من طرقٍ عديدة عن ابن عباس رضي الله عنهما، وعن سعيد بن جُبير والشعبي.

<<  <  ج: ص:  >  >>