للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

قال اللَّه تعالى: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ} ولم يقل: (يسْتَعْجلونَكَ العذابَ)، هذا الفعلُ يتَعَدَّى بالباء وبنفسه، تقولُ: استَعْجَلَ به، واستَعْجَلَهُ، والظاهر أنها من جِنْسِ: شَكَرَهُ وشكر له.

لو قال قائل: الشخصُ من أهلِ الجنَّةِ رَأى شَخْصًا يُعَذَّبُ -وإن كان المعذَّبُ مستَحِقًّا للعذاب- ألا يتَأَلَّم، والجنَّة لا ألمَ فيها ولا كَدَرَ، فكيفَ نَجْمَعُ بين هذا ورؤيتُهُمْ لأهلِ النَّار وهم يُعَذَّبونَ؟

الجواب: إن عذابَ أهلِ النَّارِ يزيدُ سُرورَ أهلِ الجنَّة واغْتَباطَهُم بنِعْمَةِ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ، ويَدُلُّ على هذا قوله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ} [الصافات: ٥٦ - ٥٧].

ومن وَجْهٍ آخرَ: أن الإنسانَ في الحَقِيقَةِ يُسَرُّ إذا رَأَى عَدُوَّهُ يُعْذَّبُ ولو كان عَذَابًا عظيمًا، خصوصًا إذا كان في وقتٍ لا يتَمَكَّنُ من الاستِعْتَابِ، فالآن هذا العَدُوُّ لا يمكن أن تحسُنَ حاله حتى يكونَ وَلِيَّا لي.

قوله: {وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ} الحمدُ للَّهُ قال: {لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ} ولم يَقُلْ: بالظالمين، الكافِرُ يكونُ في قَعْرِ الجَحِيمِ والعِياذُ باللَّه، قال عَزَّ وَجَلَّ: {فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ} [الصافات: ٥٥]، أي: في المكانِ السَوِيِّ منها وهو الوسطُ، فهؤلاء -والعياذ باللَّه- تُحِيطُ بهم النارُ من كُلِّ جانبٍ؛ لأن الإحاطَةَ تَقْتَضِي ذَلِكَ، لكن يُشْكِلُ على هذا قولُه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ} [العنكبوت: ٥٥]، يغْشَاهُمُ العَذابُ: يعني يُغَطِّيهِمْ، ومنه قوله: {يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ} [الأعراف: ٥٤]، وقولُهُ: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى} [الليل: ١]، يعني: يُغَطِّي الأرضَ بسَوادِهِ، فعَلَى هذا يَغْشَاهُمُ العذابُ، أي: يُغَطِّيهم، لكن مِنْ فوقِهِمْ ومن تحتِ أَرْجلِهِمْ.

<<  <   >  >>