وقلتُ: تقريب هذين المعنيين إنما يظهر بتحقيق معنى الهمزة في "امْ"؛ لأنها منقطعةٌ متضمنة للهمزة و"بلْ"، كما قال الراغب:"أمْ"، إذا قُوبل به همزة الاستفهام، فمعناه: أي، نحو: أزيدٌ عندك أم عمروٌ، أي: أيهما؟ وإذا جُرد عن ذلك يقتضي معنى ألف الاستفهام مع "بل"، نحو:(أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمْ الأَبْصَارُ)[ص: ٦٣]، أي: بل زاغت. فإن حُملت على الإنكار أفاد النفي، أي: لا يُتعجب منه، وإن حُملت على التنبيه أفاد التقرير، أي: هم عجبٌ من آياتنا فاعلمه، ولعل هذا أقرب؛ لأن الإضراب عن الكلام الأول إنما يحسن إذا كان الكلام الثاني أغرب وأحسن ليحصل الترقي. وأيضاً، يقتضي المنكرُ أن يكون مقرراً عن السامع معلوماً عنده، وما لا يعلمه كيف يقال له: لا تتعجب منه؟ وكيف لا وإن هذا ابتداءُ إعلام من الله بقصتهم بشهادة سؤال المنكرين، وإمساك النبي صلى الله عليه وسلم وانقطاع الوحي أربعين أو خمسة عشر يوماً، ثم نزول الآيات تصديقاً له؟ فالوجه أن يُجرى الكلامُ على التسلي والاستفهام على التنبيه.
ويقال: إنه صلى الله عليه وسلم لما أخذه من الكآبة والسف من إباء القوم وامتناعهم عن الإيمان ما بلغ أن يبخع نفسه، قيل له:(فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً)، وعلل ذلك بقوله:(إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً)، أي: جعلنا ذلك لنختبرهم، وحين لم تتعلق إرادتنا بإيمانهم بها، تلهوا بها، وتشاغلوا عن آياتنا، وغفلوا عن شُكرها، وبدلوا الإيمان بالكفران، فلا تُبال بهم، فإنا لجاعلون أبدانهم جرزاً لأسيافكم، كما إنا لجاعلون ما عليها صعيداً جرزاً، ألا ترى إلى أولئك الفتيان