للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

ينعم به الإنسان نفسيًا وبدنيًا، وتخيلوا نعيمًا فوق ما تتخيلون بأضعاف مضاعفة، ونعيمًا في ذات الوقت مختلفًا عن كل ما تتخيلون، فإنكم فقط حينئذ تكونون قد أدركتم لمحة وإن كانت غامضة عما يسمى (الفردوس). ونفس الأمر صادق أيضًا عن وصف القرآن للنار" (١). وهو بذلك يعني أن وصف القرآن للجنة والنار لا ينبغي أن يؤخذ على ظاهره، أو على أنه وصف لحقائق واقعة، بل هو مجرد تمثيل وتصوير.

وهو ينظر إلى بقية أمور الغيب والسمعيات الأخرى، مثل الجن والملائكة والمعجزات، بالنظرة نفسها، أي: أنها كلها رموز وأمثلة. وبكل (تمحل) يعطيها تفسيرات في حدود عالم الحس وليس له من دليل إلا الحدس والتخمين والخيال الواسع.

فقصة أهل الكهف -مثلًا- ونومهم لمدة ثلاثمائة عام ثم استيقاظهم يرى أنها ليست إلا "أسطورة"، واعتمادًا على الاكتشاف الحديث لما سمي مخطوطات البحر الميت Dead sea scrolls، يرى أن المقصود بأهل الكهف مجموعة من اليهود كانت تعزل نفسها في الكهوف تفرغًا لدراسة الصحف المقدسة ونقلها وكتابتها. ولما كان الناس من حولهم يعظمونهم وينظرون إليهم نظرة قدسية، فمن المحتمل جدًا أن يكونوا قد نسجوا حولهم بسبب عزلتهم التامة عن العالم، أسطورة النوم لمدة طويلة ثم (الاستيقاظ) بعد أن يكونوا قد أكملوا مهمتهم المقدسة؛ أي: أن القرآن يحكي فقط أسطورة شائعة. ولكن لماذا يحكيها القرآن؟

يقول: إن القرآن يستخدمها بطريقة رمزية بحتة ليوضح أولًا قدرة الله الكاملة على الإماتة -"النوم"- والإحياء -"الاستيقاظ"-؛ ويشير ثانيًا من خلالها إلى التضحية التي يمكن أن يدفع إليها الإيمان، فيعتزل قوم أتقياء العالم الفاسد نجاة من شروره (٢).

وكذلك يرى أن قصة سليمان -عليه السلام- التي يحكيها القرآن والمعجزات التي تصاحبها كلها كانت أساطير شائعة عند العرب وأهل الكتاب من يهود ونصارى


(١) Asad, "the Message of the Quran" P.٩٩ ..
(٢) المصدر نفسه. P.٤٣٨