للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

والقبول، وصورة المهر. وما هو إلَّا اصطباغ عارض. ولذلك قال علماؤنا: "النكاح مبني على المكارمة، والبيع مبني على المكايسة" (١).

ولست أريد بهذا أن الشريعة لم تلتفت إلى ما في الصداق من المنفعة الراجعة إلى الزوجة، ولكني أردت أن ذلك ليس هو المعنى الأول في نظر الشريعة، وإلَّا فأنا أعلم أن محاسن المرأة ومحامدها نعمة منَّ الله بها عليها، وخوّلها حقّ الانتفاع بها من أجل رغبات الرجال في استصفائها. فللمرأة حقّ في أن يكون صداقُها مناسباً لنفاستها, لأن جمال المرأة وخلقها من وسائل رزقها. ولذلك لم يكن للوصي والسلطان تزويج اليتيمة بأقل من صداق مثلها.

قال الله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} (٢).

فمعنى ترتّب هذا الجواب على هذا الشرط هو ما ورد عن عروة بن الزبير أنه سأل عائشة عن ذلك فقالت: "هي اليتيمة تكون في حجر وليّها [تشركه في ماله] فيعجبه مالها وجمالها، فيريد [وليّها] أن يتزوّجها بغير أن يقسط في صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره. فَنُهُوا [عن] أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن ويبلغوا بهن أعلى سنتهن


(١) المكايسة، من كايسته فَكسْته: غلبته. الصحاح واللسان: كيس. وقد ورد هذا اللفظ فصلاً في تعريف ابن عرفة للبيع حين قال: هو عقد معاوضة على غير منافع ولا مُتعة لذةٍ، ذو مكايسة أحدُ عوضيه غيرُ ذهب ولا فضة، مُعَيَّن غيرُ العَينِ فيه، وبقَوله ذو مكايسة أخرج هَبة الثواب ... الرصاع: ١/ ٣٢٦. والمقصود من المكايسة هنا المعنى اللغوي، وهو أن لكل واحد من طرفي العقد أن يدبّر ويحرّك فطنته للظفر بما هو الأفضل له في المعاملة. وسيأتي مزيد بيان لهذا المعنى: ٤٤٣/ ١.
(٢) النساء: ٣.

<<  <  ج: ص:  >  >>