والثاني: أن تكون صور ذات أرواح من آدمي أو بهيمة، فهي محرمة وصانعها عاص لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم لعن المصور وقال: يؤتى به يوم القيامة فيقال له: انفخ فيه الروح وليس بنافخ فيه أبدا".
وقد حكي عن عكرمة في تأويل قول الله تعالى:{إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا والآخِرَةِ} [الأحزاب: (٥٧)] أنهم أصحاب التصاوير وإذا عملها محرم على صانعها فالكلام في تحريم استعمالها وإباحته معتبر بحال الاستعمال فإن كانت مستعملة في منصوب مصان عن الاستبدال كالحيطان فهي محرمة يسقط معها فرض الإجابة لما روي عن علي بن أبي طالب رضوان الله تعالى أنه قال: منعت طعاما ودعوت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما دخل البيت وجع فقلت: يا رسول الله ما رجعك؟ قال: "رأيت صورة وان الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة أو كلب".
وروى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل مكة عام الفتح أمر عمر أن يمحو كل صورة في الكعبة فلما محيت دخلها, ولأن الصور كانت السبب في عبادات الأصنام حكي أن آدم لما مات افترق أولاده فريقين: فريق تمسكوا بالدين والصلاح. وفريق مالوا إلى المعاصي والفساد ثم اعتزل أهل الصلاح فصعدوا جبلا وأخذوا معهم تابوت آدم ومكث أهل المعاصي والفساد في الأرض فكانوا يستغوون من نزل إليهم من أهل الجبل فاستولوا على تابوت آدم فصور لهم إبليس صورة آدم ليتخذوها بالا من التابوت فعظموها ثم حدث بعدهم من رأى تعظيمها فعبدها فصارت أصناما معبودة فلذلك حرم استعمال الصور فيما كان مصانا معظما وقال أبو سعيد الإصطخري: إنما كان التحريم على عها النبي صلى الله عليه وسلم لقرب عهدهم بالأصنام ومشاهدتهم بعبادتها ليستقر في نفوسهم بطلان عبادتها وزوال تعظيمها وهذا المعنى قد زال في وقتنا لما استقر في النفوس من العدول عن تعظيمها فزال حكم تحريمها وحظر استعمالها وقد كان في الجاهلية من يعبد كل ما استحسن من حجر أو شجر فلو كان الحظر باقيا لكان استعمال كل ما استحسن حراماً وهذا الذي قاله خطأ لأن النص يدفعه وان ما جانس المحرمات تعلق به حكمهما ولو ساغ هذا في صور غير مجسمة لساغ في الصور المجسمة وما أحد يقول هذا ففسد به التعليل.
فصل:
فأما إن استعملت الصور في مكان مهان مستبذل كالبسط والمخال جاز ولم يسقط به فرض الإجابة.
روي أن عائشة علقت سترا عليه صورة فلما دخل النبي صلى الله عليه وسلم فرآه رجع وقال: يا عائشة اقطعيه وسادتين فقطعته مخدتين".