للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وارتحلت الفرنساوية فعند ذلك قلق-المترجم-وداخله الوسواس والفكر، لأنه كان صحيح النظر فى عواقب الأمور. ثم لما أطلق الوزير لإبراهيم بيك الكبير التصرف وألبسه خلعة وجعله شيخ البلد وأن أوراق التصرفات/والإقطاعات والأطيان وغيرها تكون بختمه وعلامته. اغتر هو وباقى الأمراء بذلك، وازدحم الديوان ببيت إبراهيم بيك وعثمان بيك حسن والبرديسى، وتناقلوا فى الحديث، فذكروا ملاطفة الوزير وصحبته لهم وإقامته لناموسهم.

فقال المترجم: «لا تغتروا بذلك فإنما هى حيلة وكيدة فانظروا فى أمركم وتفطنوا لما عساه يحصل، فإن سوء الظن من الحزم». فقيل له: وما الذى يكون؟ قال: «إن هؤلاء العثمانية لهم السنون العديدة والأزمان المديدة يتمنون نفوذ أحكامهم وتملكهم لهذا الإقليم، ومضت الأحقاب وأمراء مصر قاهرون لهم وغالبون عليهم، وليس لهم معهم إلا مجرد الطاعة الظاهرة، وخصوصا دولتنا الأخيرة، وما كانت تفعله معهم من الإهانة وعدم الامتثال لأوامرهم وكل ذلك كمين فى نفوسهم زيادة على ما جبلوا عليه من الطمع والخيانة، وقد ولجوا البلاد الآن وملكوها على هذه الصورة، وتامروا علينا، فيعز عليهم أن يتركوها لنا كما كانت بأيدينا ويرجعوا إلى بلادهم بعد ما ذاقوا حلاوتها فدبروا رأيكم وتيقظوا من غفلتكم». فلما سمعوا منه ذلك صدّق عليه بعضهم، وقال بعضهم: هذا من وساوسك. وقال آخر: «هذا لا يكون بعد ما كنا نقاتل معهم ثلاث سنوات وأشهرا بأموالنا وأنفسنا، وهم لا يعرفون طوائف البلاد ولا سياستها، فلا غنى لهم عنا». وقال آخرون غير ذلك. ثم قالوا له ما رأيك الذى تراه؟

فقال: الرأى عندى إن قبلتموه أن نعدى بأجمعنا إلى بر الجيزة، وننصب خيامنا هناك ونجعل الإنكليز واسطة بيننا وبين الوزير والقبطان وتتم الشروط التى نرتاح نحن وهم عليها بكفالة الإنكليز، ولا نرجع إلى البر الشرقى ولا ندخل مصر حتى يخرجوا منها ويرجعوا إلى بلادهم، ويبقى منهم من يبقى-مثل من يقلدوه الولاية والدفتدارية ونحو ذلك-وهذا هو الرأى عندى». فوافق عليه البعض ولم يوافق عليه البعض الآخر، وقال: كيف ننابذهم ولم يظهر لنا منهم خيانة، ونذهب إلى الإنكليز وهم أعداء لديننا، فيحكم العلماء بردتنا وخيانتنا لدولة الإسلام، على أنهم