للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

الدليل الحادي عشر: ولأن الصوم عبادة فلا يجوز الدخول فيها إلا على يقين كسائر العبادات، وبيانه: أن الشرع لما أوجب العبادات المؤقتة نصب لها أسبابا وأعلاما، فدخول وقت الصلاة سبب لوجوبها، فلو شك فيه لم يجز له فعلها وكذلك الصيام (١).

أدلة القول الثاني: القائلين يجب صيام يوم الغيم على أنه من رمضان.

الدليل الأول: عن ابن عمر - رضي الله عنهما -؛ قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنما الشهر تسع وعشرون؛ فلا تصوموا حتى تروه, ولا تفطروا حتى تروه؛ فإن غم عليكم؛ فاقدروا له».

قال نافع: "فكان عبد الله بن عمر إذا مضى من شعبان تسع وعشرون؛ يبعث من ينظر, فإن رأى؛ فذاك, وإن لم ير ولم يحل دون منظره سحاب ولا قتر؛ أصبح مفطرا, وإن حال دون منظره سحاب أو قتر؛ أصبح صائما" (٢).

وجه الاستدلال من وجهين:

الأول: أن ابن عمر قد روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قوله: «فاقدروا له» , وفسر ذلك بأن كان يصوم يوم الثلاثين مع إغماء السماء, والصحابي إذا روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لفظا مجملا, وفسره بمعنى؛ وجب الرجوع إلى تفسيره؛ لأنه أعلم باللغة، ولأنه يدري بقرائن الأحوال من النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يعلم به قصده, ولأنه شهد التنزيل وحضر التأويل وشاهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - , فيكون أعلم بما ينقله ويرويه (٣).

الثاني: من جهة اللغة؛ فقوله: «فَاقْدُرُوا لَه»؛ بمعنى: ضَيِّقُوا له؛ ومنه قوله: {فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ} (٤)؛ أي: نضَيِّق, وقوله: {يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ} (٥) أي: يضيق. فالتضييق لا يكون إلا بأن يحسب له أقل زمان يطلع فيه, وهو طلوعه ليلة الثلاثين (٦).


(١) ينظر: تحقيق الرجحان ص ٩٤، والمغني ٣/ ١٠٨، والاختيار لتعليل المختار ١/ ١٢٨.
(٢) سبق تخريجه صفحة (١٢٣).
(٣) ينظر: شرح العمدة كتاب الصيام ١/ ٩١.
(٤) سورة الأنبياء: الآية: ٨٧.
(٥) سورة الشورى: آية: ١٢.
(٦) ينظر: شرح كتاب الصيام من العمدة ١/ ٩٢, المصباح المنير ٢/ ٤٩٢.

<<  <   >  >>