للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

فَاقْتَتَلَ الْقَوْمُ قِتَالا شَدِيدًا فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، فَقُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ نَفَرٌ يَسِيرٌ، وَقُتِلَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بَشَرٌ كَثِيرٌ، وَأَضَاءَ الصُّبْحُ وَانْهَزَمَ/ الْكُفَّارُ إلى موضع يقال له الرّدم [١] ، [٢٩ أ] وَاجْتَهَدَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى مَا قَدَرُوا عَلَيْهِ مِنْ غَنَائِمِهِمْ.

قَالَ: وَاجْتَمَعَتْ عَبْدُ الْقَيْسِ إِلَى الْعَلاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ مِنْ جَمِيعِ نَوَاحِي الْبَحْرَيْنِ حَتَّى صَارَ فِي نَيِّفٍ عَلَى سِتَّةِ أَلْفٍ مِنْ أَصْحَابِهِ الَّذِينَ قَدِمُوا مَعَهُ، وَمِمَّنِ انْحَازَ إِلَيْهِ، وَأَقْبَلَ عَلَيْهِمُ الْعَلاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ فَقَالَ: (يَا مَعْشَرَ عَبْدِ الْقَيْسِ، اعْلَمُوا أَنَّكُمْ فِي جِهَادِ هَؤُلاءِ كَجِهَادِ مَنْ جَاهَدَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ الله صلّى الله عليه وآله وَسَلَّمَ، وَلَيْسَ بَيْنَ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ فَرْقٌ إِلا فِي النَّسَبِ، اعْلَمُوا أَنَّ الْقَتِيلَ مِنْكُمْ فِي الْجِنَانِ وَالرِّزْقُ عِنْدَ اللَّهِ، وَلِلْحَيِّ مِنْكُمُ الْغُنْمُ وَالسُّرُورُ، وَقَدْ ذَلَّتْ لَكُمْ يَا مَعْشَرَ عَبْدِ الْقَيْسِ الرِّقَابُ بِقُدُومِي عَلَيْكُمْ، فَأَبْشِرُوا بِالنَّصْرِ عَلَى أَعْدَائِكُمْ، وَلْتَصْدُقْ نِيَّاتُكُمْ فِي الْجِهَادِ) .

فَقَالَ الْمُنْذِرُ بْنُ الْجَارُودِ الْعَبْدِيُّ [٢] : (صَدَقْتَ أَيُّهَا الأَمِيرُ، لَقَدْ كَانَ قُدُومُكَ عَلَيْنَا فَرَجٌ وَثَوَابٌ عَظِيمٌ لَنَا وَلَكَ فِي جِهَادِ عَدُوِّنَا، وَلَوْ لَمْ تَأْتِنَا لَكَانَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَنْصُرُنَا عَلَى عَدُوِّنَا، ولم يكن يخذلنا، ولكن أيها الأمير، ها هنا جزيرة فيها قوم كفارهم أَشَدُّ عَلَيْنَا مِنْ جَمِيعِ أَعْدَائِنَا، وَلَيْسَ إِلَيْهَا إِلا طَرِيقٌ وَاحِدٌ، فَسِرْ إِلَيْهِمْ فَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُمَكِّنَ مِنْهُمْ، فَإِذَا فَرَغْتَ فَسِرْ إِلَى عَدُوِّنَا وَعَدُوِّكَ مِنْ هَؤُلاءِ الْفُرْسِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الكفار) .


[١] الرّدم: قرية لبني عامر بن الحارث العبقسيين بالبحرين وهي كبيرة، قال:
كم غادرت بالرّدم يوم الرّدم ... من مالك أو سوقة سيدمي
(ياقوت: الردم) .
[٢] المنذر بن الجارود (واسم الجارود بشر) بن عمرو بن خنيس العبدي، أمير من الأجواد ولد في عهد النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، وشهد الجمل مع علي بن أبي طالب، وولّاه علي على إمرة إصطخر، ثم بلغه عنه ما ساءه فعزله، ثم ولّاه عبيد الله بن زياد تعز الهند سنة ٦١ هـ-. فمات فيها.
(الإصابة ٦/ ٢٦٤- ٢٦٥، جمهرة النسب ص ٢٧٩، نهج البلاغة ٤/ ٣١٤، الأغاني ١١/ ١١٧، ١٢/ ٣٢٣، الأعلام ٧/ ٢٩٢) .

<<  <   >  >>